أجنيشكا بيوتروفسكا.. إلى الضاد وبالعكس

عشرون كتاباً لعشرين بولندياً شهيراً يَعرض لها وأصحابَها “كتالوج الكتب البولندية” الصادر عن “المكتبة البولندية العربية”، بهدف التعريف بها والتمهيد لترجمتها، أعدتْه وقدّمته المترجمة البولندية المقيمة في القاهرة أجنيشكا بيوتروفسكا. وكانت بيوتروفسكا أطلقت المبادرة التي صدر الكتالوج باسمها من مقر القنصلية البولندية في مصر بداية العام الماضي.

اليوم اقتربت “المكتبة البولندية العربية” من عيد ميلادها الثاني ولم تحظَ بالاحتفاء الإعلامي الذي تستحقه رغم أهميتها وما نجحت في إنجازه بالفعل. ولعل السبب في ذلك، إضافة لضعف الاهتمام بالأدب البولندي مقارنة بآداب أخرى عموماً، هو أن هذه الإنجازات لا تزال إجمالاً في طور التجهيز والتأصيل. تقول بيوتروفسكا: “منذ عام وأنا مشغولة بأرشفة الترجمات العربية للأدب البولندي الموجودة بالفعل، وهي لا تزيد على 76 كتاباً أُنجزت على مدار 160 عاماً منذ نهاية القرن التاسع عشر، بدأت بمختارات لأغناتسي كراشيتسكي رائد النهضة البولندية وأعمال كبار المبدعين أمثال هنريك شينكيفيتش”.

وتضيف “استمر الحراك وشهد صحوة على يد المخرج والممثل المصري هناء عبد الفتاح متولي (1944- 2012) الذي تَرجم دراسات نظرية في المسرح ومسرحيات فضلاً عن أشعار لصاحبي نوبل فيسوافا شيمبورسكا وتشيسلاف ميووش، لكن المؤسف أنه منذ عام 2000 لم يَصدر من الأدب البولندي بالعربية سوى أربع روايات فقط هي رباعية فواديسواف ريمونت “الفلاحون” بترجمة كبرو لحدو، و”الفرعون والكاهن” لبوليسواف بروس (ترجمة أحمد شلبي عن الإنكليزية)، و”بائع الحكايات” لستانيسواف ستارسبورغر بترجمة جورج يعقوب و”فيرديدوركه” لفيتولد غومبروفيتش التي قمت بترجمتها”.


 طموحها الأكبر تقديم الأدب العربي إلى القارئ البولندي

غير أن مؤسِّسة المكتبة البولندية العربية لا تسعى إلى نشر الأدب البولندي مترجَماً إلى العربية من خلالها — كما تقول — بقدر ما تريدها منبراً للتعريف بذلك الأدب والتشجيع على التفاعل معه في الأوساط العربية، بما في ذلك ترجمته على أوسع نطاق ممكن بالطبع. إنه عمل تقوم به بالفعل، وقد نُشرت لها خلال الشهور الماضية مقاطع من أعمال لبرونو شولتز وتشيسلاف ميووش وريشارد كابوشتشينسكي في جريدة “أخبار الأدب”.

هناك مشروعان كبيران تقوم بهما كذلك: ترجمة تاريخ الأدب البولندي الذي كتبه ثم أَعَدّه للنشر بالعربية أستاذ الأدب البولندي الكبير يان تومكوفسكي، وهو مشروع تموّله منحة من وزارة الثقافة البولندية وخطتها أن تنتهي منه نهاية العام الحالي، وترجمة يوميات غومبروفيتش الذي أصدرت روايته “فيرديدوركه” سنة 2015 عن منشورات الجمل.

لا ضرورة هنا لإعادة تأكيد أهمية الأدب البولندي بالنسبة إلى القارئ العربي بالذات، والذي نادراً ما توفّر إلا عبر الإنكليزية أو الفرنسية. ولا ينسى كاتب هذه السطور الأثر الذي تركته عليه قصائد زبيجنيف هيربرت مؤلف “السيد كوغيتو” قبل زمن طويل، ليس فقط بقوتها الأدبية ولكن أيضاً — ولعل ذلك بيت القصيد — لأنها الخبرة والوعي بل والروح التي تعكسها بدت كلها أقرب إلى روح ووعي وخبرة الواقع العربي من آداب أوروبا الغربية الأكثر انتشاراً. وهو شعور يتكرر لدى القراء العرب، حتى أن “فيرديدوركه” قد وُصفت في الصحافة العربية بأنها النموذج الأقوى لـ “غثيان” جان بول سارتر والمساهمة الوجودية المغيّبة عن الوعي العربي.

لكن طموح بيوتروفسكا الأكبر هو تقديم الأدب العربي إلى القارئ البولندي، وتغيير الجو العام هناك. تقول “أعتقد أن الكلام عن ترجمة غومبروفيتش بالعربية أمر هام، لأنني أعتبرها خطوة محورية أعلت من شأن التبادل البولندي-العربي وأخرجته من مضمار ترجمة (كتب بولندية) إلى مساحة بث وتبادل الأفكار الكبرى. والدليل على ذلك أن ترجمة غومبروفيتش أحدثت صدمة في الدوائر البولندية سواء من جانب العاملين في مجال الأدب أو الموظفين الحكوميين، حيث تكرّر القول إن غومبروفيتش سيكون صعباً على القارئ العربي”.

لكن هذه فكرة منافية للواقع، كما أثبت رد الفعل العربي خلال ثلاثة أعوام، والأفكار البولندية المسبقة قد تكون على وشك التغير: “ليس هناك صلة مباشرة بين مشروع ترجمة غومبروفيتش ومؤسستي وإن كان المشروعان يعكسان روح التبادل نفسها.. لكن بشكل عام، ولدى انتهائي من المشروعين، ما أريده هو أن أطلِق مبادرة نشر خاصة بي من خلال المؤسسة فأطبع ترجمات الأدب العربي إلى البولندية هنا في مصر ثم أوزعها في بولندا. سوق الكتاب البولندية ما زالت جاهلة بالأدب العربي إلى حد كبير والناشرون غير قادرين على الوصول إلى الكتب العربية الأقيَم. لكنّ لدي خططاً موسّعة لتغيير ذلك على الأرض لعلها تؤتي ثمارها بالفعل”.

اقــرأ أيضاً

مهاب نصر.. خطوات في ممرّ الكتابة

القاهرة — يوسف رخا

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا