أزمة الخليج وحيرة المثقفين

ننتظر دائماً، وعند انفجار أزماتٍ كبرى جديدة في العالم العربي، أن يُظهر المثقفون العرب إحساساً بالمسؤولية، وتقديم رؤية تدل على أنهم استفادوا من الأزمات السابقة، واستخلصوا الدروس التي تقيهم شر الوقوع في هاويات اللغو الفارغ، والنظرة المملة في تكرار صورتها، وإعادة الكلام نفسه، وكأن الأزمات مجرد نماذج مستنسخة، لا تتأثر بالظروف الخاصة المحيطة بها. في أزمة الصراع الراهن في الخليج العربي ما بين المملكة السعودية والإمارات من جهة ودولة قطر من جهة أخرى، تقرأ لمثقفين عرب من المشتغلين بالواقع السياسي العربي، فيدهشك الموقف الإنكاري لما يحدث، والاستهانة بتطوراته التي يمكن أن تصل في أسوأ حالاتها إلى استخدام القوة لإنهاء الصراع، أو إلى الحصار والمقاطعة الاقتصادية، وتخريب الحياة اليومية لمواطني دولة قطر والسكان العاملين فيها من العرب والأجانب الذين يبلغ عددهم اليوم أكثر من مليوني إنسان، هذا إذا نظرنا إلى قوة المملكة السعودية وحلفائها في المحور الحالي.
ما يلفت في كتابات كثيرة النظرة الاستعلائية الوطنية والمثقفاتية إلى دول الخليج عموماً، وكأن ما يجري هناك لن يمس أحداً خارج الخليج، وربما يكون اليأس والإحباط الذي عاشه المثقفون مما آلت اليه الأمور في الثورات العربية أغلق على وعيهم، فأصيبوا بمرض عدم الاكتراث، ولم يلتفتوا إلاّ لهيكل الصورة النمطية المزمنة لديهم أو إطارها. كثيراً ما لاحظنا تعبيراتٍ مثل “فخار يكسّر بعضه” و”لتحترق ممالك الغاز والكاز” و”ليذهب الخليج إلى الجحيم الذي مشى إليه نتيجة علاقات دوله بأميركا أو إسرائيل”، أو ترى تشفيّاً وحسداً واستمتاعاً بإمكانية حدوث حرب تنهي “الترف” الذي تعيش فيه هذه الدول الغنية، ما يختصر الوجود الخليجي برمته إلى مجرد ترف في العيش، وكأن لا شعوب هناك ولا ثقافة، ولا حضور في المشهد السياسي العربي والإقليمي والعالمي. حتى أن مثقفاً سورياً يعيش في تركيا لم يجد غير شعوره بالاشمئزاز من عدم وجود أي محتوى تقدمي للصراع الحالي بين هذه الدول الخليجية، على أساس أن الصراعات التي تثير الغبطة والتفاؤل هي فقط الصراعات المفصلة تفصيلاً، لتقود إلى نتائج ذات محتوى تقدمي، مع أن مجريات الأمور التي حدثت في سورية وغيرها من الدول العربية في السنوات الأخيرة لم تقد إلاّ إلى الخراب الذي ساهم فيه الجميع.
ليس مطلوباً من المثقف العربي أن ينسحب بعيداً لغموض الأحداث، ولا أن يجعله تحليله القاصر عن فهم آليات الصراع الراهن متعالياً، لأن مفاتيح الصراع وتحليل بنى القوى المشاركة فيه لا تنسجم مع أحلامه الوردية عن الصراع الطبقي والفلسفي. فاشتعال المنطقة سوف يودي بالجميع إلى هاويةٍ جديدة، تضاف إلى الهاويات التي وقع فيها العالم العربي، ولم يجد له مخرجاً، ولا أسوأ من الحضيض الذي تحمله الدعوات إلى معاقبة مواطني الإمارات الذين يتعاطفون مع قطر، ولا الدعوة إلى إغلاق قناة الجزيرة التي مثلت، في العقود الماضية، آلة إعلامية خارقة للميديا الغربية، ونافست، في حضورها العالمي، قنوات أميركية قوية مثل “سي إن إن”. ستكون خطورة هذه الدعوة خطوة لإغلاق كل فضاء إعلامي مؤثر، كلما نشب صراع بين الدول العربية، ما سيلحق الضرر ليس بقطر وحسب، بل بكل البلاد العربية وبحرية التعبير والحريات الفردية.
ما تتناوله الميديا حول أسباب انفجار الصراع بهذا الشكل المريع يجب أن يشكل حافزاً لنا، للبحث فيها ومعرفة ما هو بروباغندا وما هو واقعي وحقيقي، بعيداً عن الاتهامات المتداولة، فما يجري اليوم بين السعودية وإيران، وهما قوتان إقليميتان تقع بينهما دولة صغيرة هي قطر، تحاول أن تجد توازناً يحميها من التغول من الجانبين يدفعنا إلى فهم الصراع المتفجر الذي قد تصل شظاياه المؤذية إلى الجميع، وخصوصاً فلسطين.

نصري حجاج

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا