أزمتنا الأخلاقية.. من النسبية إلى القيمة

تشكل الأخلاق همزة وصلٍ بين التاريخين، الطبيعي والبشري، فلا تتحدّد الطبيعة البشرية بوصفها طبيعة أنطولوجية (وجودية) وحسب، فالإنسان كائنٌ أخلاقيٌّ، يتحدد وجوده أيضا من خلال علاقته بالقيم.

لا نحتاج عميق تأملٍ في واقع مجتمعاتنا العربية، لندرك حجم أزمة القيم التي بتنا غارقين فيها حتى النخاع، والتي تشكل إحدى حلقات انهياراتٍ متلاحقةٍ تفاقم أزمتنا الوجودية. ولا نبالغ إن قلنا إن الواحد منا ما أن يمسك مقبض باب المنزل عازما على المغادرة، حتى يعتريه القلق (على مصيره النفسي على الأقل) في مواجهة معركته اليومية مع العالم الخارجي. وباتت عبارات من نوع “يبعد عنك أولاد الحرام” و”الله يعمي عنك” تعاويذ خروجٍ من المنزل، متداولة على نطاق واسع. 
تقهقرت الحضارة العربية، لتعلن إفلاسها الثقافي (منذ القرن الرابع عشر). ساد الاتّباع على الإبداع، والتقليد على التجديد، فاستحالت القيم عاداتٍ وتقاليد، ما شوّش الوعي الأخلاقي، فهناك دائما فرقٌ بين القيمة والتقليد، فليست غاية التربية الأخلاقية أن تلقّننا أحكاما جاهزة، بل أن تعلمنا دائما كيف نحكم. 
وبما أن السلطة مبدأ كل فضيلة (برتراند رسل)، وبما أن الأخلاق لا تنجب الحق، بل الحق ينجب الأخلاق، يصبح العنف مصدرا لكل فسادٍ أخلاقي ممكن، في غياب دولة الحق والقانون، وفي حضور هيمنة الاستبداد وفساد السلطة. هنا أيضا، تتحول القيم الغايات إلى قيم وسائل، ويسود الخلاص الفردي على حساب الخلاص الجماعي. 
ومع أن قيمة الفضيلة تزيد كلما كلفتنا الكثير، من دون أن تعود علينا بأي كسب، نخضع في

“ليست الأخلاق دائماً وسيلةً للسعادة بقدر ما هي منهجٌ يكفل لنا أن نكون جديرين بتلك السعادة”

أخلاقنا لتجريبية مزمنة، تجعل أخلاقنا متبدلةً بتبدل المردود والنتائج. فنمد يدنا لمساعدة الآخرين، منطلقين من مبدأ أن “الدنيا دين ووفا”، والذي ينحدر لاحقا للمبدأ الخطير: “حكّلي لحكلك”. تنتهي التجريبية إلى إنتاج أخلاقٍ مختزلة وانتقائية، لا يربطها مبدأ عام، فيبلغ التناقض ذروته، حين يثأر لـ”شرف” مرتش أو مختلس للمال العام، فيقتل أختا أو ابنة، من دون أن تشكل الرشوة والاختلاس تهديدا لمفهوم الشرف.
عدم صدور الأخلاق عن مبدأ ثابت، والاستسلام لأخلاق العاطفة، هو ما يجعلنا ننتقي من بين رتل متناوب زمانيا من المتسولين من لديه المهارة الكافية لأن يثير فينا مشاعر الرثاء. من جهة أخرى، نعيش رياء اجتماعيا، تحت عنوان العمل الخيري، أو نمارس الطيبة من الأعلى إلى الأدنى، مع أن الطيبة والعطاء ليستا رأفة بل مشاركة، وفي غياب العدالة، لا يزال العطاء سيطرةً، وبالتالي إذلالا. وربما يحق لنيتشه (على لسان زرادشت) أن يكره أولئك “الرحماء السعداء بشفقتهم”، لكنهم يفتقدون الحياء. 
ومع أن الإحسان، بوصفه تعبيرا عمليا عن حسن النية، يشمل الجميع من دون استثناء، نكتفي بمساعدة من نحب، أما من نكره فـ”الله لا يقيمه”. وبالإضافة إلى عجزنا حيال علاج قضايانا المركزية، يصبح معيار “المركزية” أكثرها إيلاما وتراجيديا. ويلعب الإعلام ووسائل الميديا دوره في جرف عواطفنا وفق توجهات معينة، في ظل عقل سياسي مستقيل. 
أحدث التقدم التكنولوجي والتقني في ظل مجتمعات المعرفة تغيراتٍ زعزعت المجتمعات التقليدية، لا سيما العربية منها. ففي ظل ضمور رقابة التقاليد والأعراف، وهوة متزايدة بين مواقف الآباء والأبناء، حدث فراغٌ قِيَمي مربك. لم يستطع التدين الشعبي، ولا الثقافة النخبوية، ملء الفراغ، وبقيت المؤسسة الدينية الرسمية أداةً في يد المستوى السياسي ونخبه الفاسدة، ونجحت الحركات الأصولية في تكريس قيم “هويات قاتلة”.
يرفض كانط أخلاق التجربة، فيرد الوعي الأخلاقي إلى العقل الذي يضع مبدأ الواجب بوصفه قانونا كليا مطلقا، ملزما لكل الناس في كل زمان ومكان. وليس من مبرّر للالتزام بالواجب

“التمسك بمنهج أخلاقي صارم يتطلب منتهى الإرادة وثمنا باهظا”

سوى كونه واجبا، فالإنسان لا يفعل خيرا، بل يقوم بواجبه، بغض النظر عن نتائجه نفعا أو ضررا. هكذا يصبح الفعل قانونا كليا للطبيعة، فأن “لا أساعد الآخرين” لا يصلح ليكون واجبا أمارسه من دون أن أناقض نفسي، حين أكون أنا في موقف من يحتاج المساعدة. 
وإذا كانت الأشياء وسائل، فالإنسان عند كانط غايةٌ بذاته، وإنسانيته هي “كرامة”. لذا، يلح على احترام الإنسان الإنسانية في شخصه وفي الأشخاص الآخرين. ويرفض أخلاق العاطفة، ليستحيل الإحسان إلى الآخرين واجبا مطلقا، أحببناهم أم لا. يؤكد كانط المعيار المطلق لأخلاق الواجب، فيقول: “لو كانت سعادة البشرية تتوقف على قتل طفل واحد، فإن قتله عمل غير أخلاقي”. 
لم يغفل كانط سلوك الإنسان مع الكائنات الأخرى، فمعاملة الحيوان معاملة عنيفة وثيقة التعارض مع واجب الإنسان حيال نفسه، لأن من شأنها أن “توهن التعاطف مع عذاباتها في المرء، مما ينال من الاستعداد الطبيعي النافع جدا للأخلاقيات في العلاقة مع غيره من البشر”. 
على الرغم من الانتقادات الموجهة لصرامة الأخلاق الكانطية، إلا أنها كانت لحظةً حاسمة في صياغة الفلسفة الأخلاقية، وامتدت بصماتها إلى إعلان حقوق الإنسان والمواطن (1789م)، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. حاول كانط، في وقت واحد، أن يتفهم النزوع الطبيعي إلى الشر والاستعداد الرائع إلى الخير، وأن يخلّص الإنسان من الاستسلام لنوازعه وميوله الطبيعية، كي لا يذعن طواعيةً، في نهاية المطاف، للرذائل التي تؤلف “الأسرة المريعة للحسد ونكران الجميل والفرح بمصائب الآخرين”. 
في ظل أزمتنا الأخلاقية الراهنة، لعلنا بحاجةٍ إلى بعض الكانطية، ومع أن التمسك بمنهج أخلاقي صارم يتطلب منتهى الإرادة وثمنا باهظا، إلا أن ذلك بات يتناسب وحجم أزمتنا الأخلاقية. إذ ليست الأخلاق دائما وسيلةً للسعادة، بقدر ما هي منهجٌ يكفل لنا أن نكون جديرين بتلك السعادة.

حسام أبو حامد

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا