أسطورة سليم بركات

كتب الزميل عمار أحمد الشقيري، في “ضفة ثالثة”، مقالاً ضافياً، ومتعدّد الأصوات، عن ظاهرة سليم بركات الروائية. ليس لسليم أسطورة شائعة إلا عند لفيف من المثقفين الأكراد، السوريين تحديداً، الذين يرون فيه علماً أدبياً طالعاً من بين ظهرانيهم. هذه، طبعاً، حماسة مفهومة، لكنها تقصقص جناحي هذا الباشق، الصقر، أي جارح ترغبون (ما سيسرّ سليم نفسه شبيه هذه الجوارح النبيلة) المفرودين على سماء أوسع بكثير. لا تنطلق المآثر، الملاحم، الأساطير، من الكل، بل من الجزء. لا تعرف مآلها، ولكنها تعرف بالتأكيد مستهلها. وقد تنشأ من سببٍ أبسط مما كانت تضمر أو تتخيّل. لا بد لكل شيء من نقطة انطلاق. وعند سليم بركات كانت نقطة الانطلاق كردية، لكنها ما لبثت أن حوّلت المكان والسؤال الكرديين إلى مكانٍ وسؤالٍ وجوديين. لسليم أسطورة متحقّقة، ولكنها منزوية. هناك تطابق تام بين الكاتب والكتابة، ليس بمعنى انكباب هذه الكتابة على الذات، أو نهلها من السيرة الشخصية، فليس هناك الكثير من ذلك في أعمال بركات الشعرية والروائية، بل أقصد حمل تلك الكتابة مواصفاتٍ ظاهريةً وباطنيةً تشبه صاحبها مثل: برِّيتها، نفورها من الاصطفاف في سلك واتجاه، توترها الداخلي واصطكاكها بعضها ببعض، تضييق المداخل إليها، وتوسيع الهوة بينها وبين “المتلقي”، تواصلها العنيد في طريقها الشاقّ، من دون أن يبدو عليها الإرهاق أو الاستنفاد إلخ..
نحن الذين نعرف سليم بركات نستطيع أن نرى هذا الشبه الطالع من عزلةٍ فرضها الشاعر والكاتب الكردي السوري على نفسه، ومن استغراقٍ تام في عالم الكتابة الذي تطغى عليه اللغة نحتاً وتصفية وتسنّناً، وتتفرّد موضوعاتها في التقاط البرّي والحوشي والنافر في الذات والطبيعة والواقع الاجتماعي. وليس للأمر علاقة بـ “العوالم الكردية”، ولا بـ “الطبع الكردي” الذي يحلو لبعضهم الكلام عنهما بصدد أعماله، إذ في وسع “الثيمة” الكردية أن تتخذ مقاربة أخرى مختلفة تماماً عما هي عليه عند بركات. الفرادة، والغرابة، هما في صميم كتابة سليم بركات، وليست في “عوالمه الكردية”، مهما بدت خصوصية ونائية عن التدوال العام.
***
تساءلنا، نحن أصحابه، عندما أصدر بركات “سيرة” طفولته في الشمال السوري، عن السبب الذي يدفع شاباً في مطلع الثلاثينات من عمره إلى كتابة “سيرة”، وهو الجنس الأدبي الذي يكون، عادة، نهاية مطاف الكتابة، وليس مستهلها، ولم نكن نعرف أن من هذا الكتاب سيطلع الروائي الكامن فيه، وستتناسل منه سلسلة متشعبة من الروايات.
من “فقهاء الظلام” روايته الأولى إلى “سبايا سنجار” عمله الروائي أخيرا تتضخم مدونة سليم بركات الروائية، حتى لتفوق منجزه الشعري وتلتهمه، وتتمثله في هديرها اللغوي، وصورها الرعوية، وحوارياتها الناطقة بغريزة الماء والطين، تماما مثلما هم عليه شخوص رواياته من شهيةٍ كاسرة للالتهام.
كنا، مع أولى رواياته، نعرف أين نضع خطانا، كانت أسماء العلم المعروفة تدلنا على أرض شخوصه النافرين، ومصائرهم المسنونة على حجر صوان، ولكننا شيئاً فشيئاً رحنا نفقد طرف الخيط، وتنقطع بنا السبل على نحوٍ ملغزٍ ومحير.
لم تعد الحكاية طريقا، ولا (الثيمة الكردية) التي استأنسنا بها، في خطوتنا الأولى معه، صالحة لوصف أعماله المتراكبة طبقا فوق طبق، ولا بقي “الشمال” استعارتها السهلة، بل إن البشر ليسوا دائما أهلا للبطولة أو الحكمة أو اجتراح التواصل الشقي، إذ يمكن لمملكة الحيوان والطبيعة أن تبزا الإنسان في هذا الصنيع، كأنَّ ذلك ضربٌ من “بدائية” تلتزم، على نحو أخلاقي صارم، بالقوانين الأولى المؤسسة: القوة والضعف، الجوع والشبع، الشره والكفاية، الشوق والوصل، الممكن والمستحيل.
الغريب في أمر منجز بركات الروائي أنه قلما أثار اهتمام النقد الأدبي العربي، فهو لم يستطع أن يقاربه، لفرط اختلافه عما هو سائد، ولعل هذا المنجز لم يثر، أيضا، شهية قارئ يبحث عن “حدوتةٍ” سهلة. لا النقد ولا القارئ توقفا ملياً أمام هذا العالم الروائي الفريد.. والأغرب أن هذا “التجاهل” لم يفت في عضد الشاعر والروائي العنيد، فواصل طريقه الشاق بلا تردد.. لكنه قد يكون، بدءاً من روايته “السماء شاغرة فوق أورشليم”، قد بدأ يميل إلى نوعٍ من “التسوية” أو “المصالحة” مع التلقّي.. ولكن من دون مساومةٍ على الشروط الجمالية التي فرضها على نفسه، بصرامةٍ وعنادٍ يشبهانه فقط.

أمجد ناصر

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا