أفلام نقلت جنون الحرب إلى شاشة السينما

مع بدء عرض فيلم Dunkirk، للمخرج كريستوفر نولان، في دور السينما، تحدَّث الكثير من النقاد والجمهور عن أنَّه واحد من أهم الأفلام الحربية التي عُرِضت على الشاشة، وبأنّه ينقل الرعب النفسي للحرب بشكل استثنائيّ وبارع، وبقدرة على التجرد من أي تفاصيل سياسيّة أو عالمية، والاكتفاء فقط بما يحدث داخل معركة “دانكيرك”، ومحاولة إخلاء المدينة من الجنود البريطانيين. ومع هذا النقاش الذي يدور حالياً، نستعرضُ أفلاماً أخرى سبقت فيلم نولان في محاولتها التقاط هذا الجنون الكامِن في بارود الحرب.

Apocalypse Now لفرانسيس فورد كوبولا عام 1979

أثناء استلامه لجائزة السعفة الذهبية من مهرجان “كان” السينمائي عن فيلم “القيامة الآن”، قال المخرج فرانسيس فورد كوبولا: “إننا لم نصنع فيلماً عن الحرب، لقد كنا في الحرب”. وربما لا توجد جملة أدق من هذه، لوصف تجربة صناعة هذا الفيلم، الذي استغرق تصويره قرابة عامين كاملين بدلاً من 6 أسابيع. وفي الوقت الذي دارت فيه القصة حول قائد في الجيش الأميركي، والذي يذهب للبحث عن كولونيل انشق وانضم لـ”العدو” أثناء الحرب الفيتنامية، فإن الفيلم بكامله كان أقرب لرحلة بحث طويلة عن جنون ورعب الحرب. يكفي أن المشهد الافتتاحي الشهير للفيلم “هجوم فاجنر” صوره كوبولا بـ8 كاميرات، ولمدة 11 دقيقة لكل كاميرا، وأعاد تصويره مراراً وتكراراً في محاولة أن يفهم “ما هي الحرب؟”. وفي النهاية، “بدا كأنه هو الآخر قد فقد جزءاً من عقله”، كما يقول بطل الفيلم، مارتن شين.


Saving Private Ryan لستيفن سبيلبرغ عام 1998

البعض يهاجمون هذا الفيلم، بمنطق أن الحرب التي ذهب ضحيتها قرابة الـ70 مليون بشري خلال 6 سنوات، وشهدت إلقاء أول قنبلتين نوويتين ظلت أجيال من اليابانيين تعاني منهما بعد ذلك، لا يمكن اختصارها في “إنقاذ جندي واحد”. ولكن مع ذلك، لا أحد يجادل في قيمة ما فعله المخرج ستيفن سبيلبرغ، والمصور جنواس كمينسكي، وفريق الصوت في الفيلم من أجل أن يعايش المشاهد عن قرب شعور أن يكون مُجند في المعركة. ولا شك أن المشهد الطويل، والذي يمتد لقرابة العشرين دقيقة، لعملية الغزو البحري، وإنزال قوات الحلفاء في “نورماندي”، يجد مكاناً ضمن أعظم ما قدمته السينما عن الاقتتال والمعارك. وعلى الرغم من وجود فيلم حربي في السنة نفسها، Thin Red Line، للمخرج تيرانس ماليك، تناول هو الآخر الحرب العالمية بمعالجة أكثر شاعرية وإنسانية، إلا أنّ فيلم سبيلبرغ كان أكثر مقاربة لعنف الحرب.

Platoon لأوليفر ستون عام 1986

التجربة الأهم والأكثر تأثيراً في حياة المخرج أوليفر ستون، هي خدمته داخل الجيش أثناء حرب فيتنام. ولذلك، فحين أصبح بعدها بعقدٍ فقط من أهم صناع السينما في هوليوود، فقد ظل مشغولاً بتلك المرحلة التي تغير فيها وجه العالم، ليكون “بلاتون”، والذي فاز عنه بأوسكار أفضل مخرج وأفضل فيلم في سنته، هو ذروة ما قدمه في هذا السياق، حيث يتماس بقوة مع تجربته الشخصية في الحرب، ومحاولة نقل ذاتية جداً لخليط المشاعر واللحظات والذكريات التي تنتاب الجنود في تلك المراحل، سواء في لحظات الهدوء والسكينة وتبادل الأفكار حول الوطن والعودة، أو لحظات الاقتتال في أرضٍ لا يعرفونها، بخوف وتيهٍ كاملين.

Hacksaw Ridge لميل غيبسون عام 2016

يجيد المخرج ميل غيبسون، التعامل مع المشاهد الدموية، وإثارة تعاطف المتفرج من خلال أكثر اللحظات عنفاً. وهو ما يكرره هنا في فيلمه الحربي الذي يتناول فيه قصة جندي يضطر للذهاب إلى الحرب العالمية الثانية. ولكن بسبب رفضه قتل الناس يذهب بدون سلاح، ويحاول فقط إسعاف المصابين، ليصبح شاهداً، ولقرابة الساعة على الشاشة، على قسوة الحرب، ليستخدم غيبسون كل ما تطور في المؤثرات الخاصة، وكل ما يعرفه هو نفسه عن العنف، لنشاهد أجساداً محترقة وأطرافاً مقطوعة وصرخات لا تنقطع لجنودٍ انتهت حيواتهم أو تكاد، من أجل الوصول في النهاية لرسالة بطله السلمية، والتأكيد على لا أخلاقية الحرب من خلال أكثر طرق العرض توحشاً.

Paths of Glory لستانلي كوبريك 1957

قدَّم المخرج ستانلي كوبريك، فيلمين حربيين في مسيرته، الثاني منهما كان Full Metal Jacket عام 1987 عن مذكرات أحد جنود المشاة أثناء حرب فيتنام، وامتلأ الفيلم بحسٍ هزلي وساخر وهجائي جداً. ورغم أن فيلمه الحربي الأول “طريق المجد” (1957)، احتوى على القدر نفسه من الهجاء تجاه القادة والساسة والجنرالات الذين يذهبون بالجنود إلى الحرب من أجل أطماعهم الشخصية، إلا أنه قدم ذلك من خلال رؤية درامية أكثر قتامة بكثير، حيث حكاية على هامش الحرب العالمية الأولى، لقائد فرنسي يقبل قرارات قادته والقيام بهجومٍ مستحيل على أحد المواقع الألمانية، رغم إدراكه لهزلية الأمر وعدم قدرته في المقابل على رفضه أو ترك جنوده وحدهم. ومن خلال مشاهد المعركة العنيفة (المتطورة والحرفية جداً بالنسبة لزمنها)، يعبّر كوبريك عن ازدرائه للحرب، ورفضه لفكرة “المجد موتاً” من أجل جنرالات لا يهتمون، ليبقى فيلمه، حتى بعد 60 عاماً من إنتاجه، من أهم الأفلام التي نقلت جنون الحرب إلى شاشة السينما.

اقــرأ أيضاً

3 عرب في مهرجان تورنتو السينمائي: “علاقات خطرة”

محمد جابر

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا