إخفاقات الداخل ومؤامرات الخارج

في تفسير الأحداث والظواهر المختلفة من حولنا، لا يوجد عاملٌ واحد يمكنه تفسير كل جوانب الحدث وزواياه. وعليه، لا بد من أخذ عدة عوامل بالاعتبار عند محاولة فهم أي حدثٍ أو ظاهرة. ومع ذلك، هناك عوامل مهيمنة، أو مقدَّمَة على عوامل أخرى في التفسير، بحسب كل حالة. في الأحداث المتسلسلة التي تشهدها منطقتنا العربية منذ عقود، تبرز فرضيتان لتفسير الأزمات والصراعات وحجم التراجع والتخلف في عدة مجالات. ترى الأولى أن سبب الإشكالات عوامل ذاتية، ترتبط بإخفاق عربي داخلي في إحراز أي تقدّم، أما الثانية فترى أن سبب مسؤولية التراجع والأزمات في الوطن العربي هو التدخلات الاستعمارية الغربية، ووجود إسرائيل. تشكل الفرضيتان قاعدة انطلاق لتفسير ظواهر وأحداث كثيرة في المنطقة العربية. ويمكن القول إن التمسك بإحدى الفرضيتين، وإهمال الأخرى، ينطوي على اختزالٍ مُخِل.
لا تنحصر القضية في تفسير الأحداث، وإنما تتعداها إلى اتخاذ موقع وموقف في أحداث المنطقة وصراعاتها، فكثيرون من مؤيدي فرضية الأسباب الذاتية للإشكالات العربية يتماهون مع الغرب ثقافياً وسياسياً، ويتقاطعون مع ما تنتجه المؤسسات الأكاديمية والإعلامية الغربية من تحليلاتٍ لواقعنا العربي، بما تحمله من تجاهلٍ أو تهميشٍ للدور الغربي في ما وصلنا إليه عربياً. كذلك، لا يمكن إغفال وجود شريحةٍ ممن يتبنون تحميل الغرب الاستعماري المسؤولية الكاملة عن أوضاعنا، تتماهى مع أنظمةٍ تسلطية، أو تدافع عن حالاتٍ رجعيةٍ تقاوم التحديث، وهي بالتالي تجد في تحميل الغرب مسؤولية كل ما يجري في منطقتنا، وسيلةً للتغطية على الأخطاء والمشكلات الكثيرة عندنا، والمحافظة على الأوضاع القائمة من دون تغيير.
البروز الأكبر هو لتيار “العوامل الذاتية”، خصوصاً بعد نهاية الحرب الباردة، والتراجع الكبير للتيارات اليسارية والقومية العربية، وتسيّد الإعلام اليميني العربي المتطلع إلى مزيدٍ من الهيمنة الغربية على منطقتنا، وانضمام مجموعة من اليساريين التائبين، والإسلاميين “المتلبرلين”، إلى هذا التيار، بجانب من يعتبرون أنفسهم ليبراليين عرباً. يتوسل هذا التيار السخرية من نظرية المؤامرة، وممَّن ما زالوا يتحدثون عن الهجمة الاستعمارية الغربية على منطقتنا بتنويعاتها المختلفة، لإنكار وجود العامل الغربي في أزماتنا، التي هي نتاج إخفاقاتنا الذاتية. وهنا، ينقسم هذا التيار في تحديد سبب الإخفاقات، بين من يحملها ثقافتنا العصيّة على التحديث ومن يشير إلى الأنظمة التسلطية غير الموالية للغرب، بوصفها ممثلةً عمق أزماتنا.

“هناك إخفاقٌ واضحٌ في مأسسة الدولة، إثر اختزالها بالزعامات الفردية والعُصْبَة العائلية، وتكريسٌ للحالات الطائفية والعشائرية على حساب المواطنة وبرامج التحديث”

في تفسير ظواهر، مثل العنف السياسي والطائفية، يجنح هذا التيار إلى لوم استبداد أنظمة محدّدة دون سواها، أو إعادة الأمر إلى موروث متجذّر في الثقافة العربية، لكن التدخلات الغربية ليست سبباً بأي حال، ولا يجوز رمي إخفاقاتنا عليها، على الرغم من أن التعاطي الغربي مع مجتمعاتنا بوصفها مجموعة طوائف واضحٌ صريح، تجلَّى في تعامل الاستعمار البريطاني مع السنة والشيعة في العراق، والدعاية الغربية حول نزاعات الداخل العراقي إبّان حكم الرئيس صدام حسين، بتوصيف المشهد وصفاً طائفياً زائفاً: الديكتاتور “السني” يقمع الشيعة، وصولاً بالطبع إلى العملية السياسية الطائفية بعد غزو العراق، التي أرسى دعائمها بول بريمر. منطلق هذا كله أن الاستعمار الغربي لم يقبل يوماً بتجارب تحديث المجتمعات العربية، وفضّل التعامل مع أي حالةٍ تقليديةٍ ورجعية، وحارب كل مشروع عربي تحرّري أراد تحقيق التنمية وتحديث مجتمعاتنا، عبر تفعيل كل الأدوات الرجعية في وجهه.
في منطقة متضرّرة تاريخياً من أنواع الهجمات الاستعمارية، ومكشوفة حالياً على أنواع التدخلات الخارجية، يبدو ساذجاً تفسير الأحداث وفقاً لتفاعلاتٍ داخلية وحسب، وقطع النظر عن الأدوار الغربية، خصوصا أنها ليست مجرد أدوارٍ سرية، بل هي معلنة، ولا يمكن فهم المشهد في العراق وليبيا وسورية بتهميشها أو إنكارها. الملاحظ أن فئةً من هذا التيار لم تعد تحاول إنكار الدور الغربي، بل تستنكر عدم توسعه، وتعتبره غير كافٍ، وبعض اليساريين التائبين يبكون زمن الاستعمار الجميل، حين كان عبء الرجل الأبيض ومسؤوليته تحديث من يستعمرهم، ونقلهم إلى الحضارة، ويرفضون سلوك الإمبراطورية الأميركية في تقليل كُلَف التدخل، ويريدونها أن تستبيح بلادهم لنشر الديمقراطية.
لكن هذا الكلام عن الدور الاستعماري الغربي لا ينسينا محاولات اختزال أزماتنا بهذا الدور، والتعمية على إشكالاتٍ حقيقيةٍ عندنا. محاولات شريحة معينة الدفاع عن الأنظمة التسلطية بلوم الغرب لا يتوقف الإشكال فيها عند مسألة التسلط والقمع، بل يتعدّاها إلى الحديث عن غياب المشروع والرؤية التحديثية، وانطفاء مصادر الشرعية المختلفة، ومنها شرعية مواجهة المشاريع الاستعمارية في المنطقة. هناك إخفاقٌ واضحٌ في مأسسة الدولة، إثر اختزالها بالزعامات الفردية والعُصْبَة العائلية، وتكريسٌ للحالات الطائفية والعشائرية على حساب المواطنة وبرامج التحديث، ولوم المؤامرات وحدها على هذا يعني استمرار نجاح التآمر في جرِّنا نحو مزيد من الأزمات.
الانفجار الذي نشهده منذ عام 2011، مَرَدُّهُ جملة أسباب داخلية وخارجية، فالارتهان لوصفات صندوق النقد الدولي التي أفقرت الناس ليس عاملاً محلياً صرفاً، كما التدخل العسكري والاستخباراتي الغربي بأنواعه في الحروب الأهلية العربية. أيضاً، فشل الدولة العربية وإخفاقاتها الاقتصادية والسياسية لا يمكن تحميلها الغربَ وحده. من يفسر الأحداث لإيجاد المعالجات لا بد من أن يقرأ العوامل كافة، ليفهم المشهدَ من كل جوانبه.

بدر الإبراهيم

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا