إضراب الأسرى وبناء المشهد الفلسطيني

أشكال النضال التي عرفتها الحركة الأسيرة الفلسطينية ولجأت إليها متنوّعة، منها ما هو تكتيكي وله علاقة بمطالب يومية وحياتية، تخص السجن الواحد، مثل إرجاع وجبة طعام واحدة أو أكثر، أو إرجاع وجبة واحدة يوميا، أو حتى تأخير استلام الطعام إلى حين حضور ضابط إسرائيلي كبير لتسليمة احتجاجاً أو رسالة، عدم الخروج إلى الساحة (الفورة)، والاعتصام داخل الزنازين يوماً أو أكثر أو العكس، الخروج إلى الساحة بشكل جماعي، من دون غيابٍ، مع لباس كامل. 
وفي حالاتٍ أخرى، هناك أسلوب الطرق على الأبواب والتكبير، وأيضا رسائل الاحتجاج التي تتصاعد في مستوى الجهة المرسلة إليها، بدءا من مدير السجن، وصولا إلى قائد مصلحة السجون ووزير الأمن الداخلي، ومقاطعة الإدارة ووقف الحوار معها، بمعنى سحب ممثلي الأسرى، ودعوة الإدارة إلى التعامل مع كل أسير على حدة، ويسبقها ترتيب متفق عليه، لإثارة كل أسير مطالب بشكل مكثف من مدير السجن، ومقاطعة زيارات الأهالي، أو الاعتصام في غرفة الزيارة فترة قصيرة، أو الامتناع عن تناول العلاج، ومقاطعة عيادة السجن، ومقاطعة المحاكم وزيارات المحامين، وكلها خطواتٌ مدروسةٌ وأدوات نضال يتم اللجوء إليها عند الحاجة، ووفق الظرف وطبيعة المطالب.
وهناك الإضراب الجماعي المفتوح، وهو ما يعرف بالإضراب الاستراتيجي، والذي تلجأ إليه الحركة الأسيرة، بعد استنفاذ كل الوسائل التكتيكية. وعندما تبلغ إجراءات إدارة السجون والتنكيلية حدها الأقصى، ولا يعود بالإمكان التعايش معها، وهذا الإضراب إما أن يكون في سجن واحد أو مجموعة سجون أو جميعها.
خاض الأسرى كل أشكال النضال الاعتقالي الجماعي، ولهم إرث عريق وتقاليد نضالية مكّنتهم من إيجاد معادلة وميزان قوى أمام إدارة السجون. وفي السنوات القليلة الماضية، دخل تقليد نضالي اعتقالي جديد، هو الإضرابات الفردية التي جاءت لتعبر عن استمرار الضغوط التي تمارسها إسرائيل من جهة، وضعف القدرة أو تراجعها لدى الأسرى عن التصدّي لها بشكل جماعي، ما يعبر عن الحالة التي وصلت إليها الحركة الأسيرة والأزمة التي تعصف بها. 
لا يعتبر إضراب الحرية والكرامة الحالي فردياً، لان عدد الأسرى المشتركين فيه كبير، ومن كل الفصائل (وإن بشكل ذاتي وليس بقرار تنظيمي)، ولكنه لا يعتبر إضراباً جماعياً، لأنه لم يشمل السجون كافة ولم يتخذ قرار خوضه عبر مؤسسات الفصائل الاعتقالية داخل السجون. وهو يشكل محطة اختبار وامتحان للأسرى، وتحدياً داخلياً أولا في استعادة ألق الإضرابات الجماعية، وجاذبيتها ونجاعتها، بعد سنواتٍ من التشتت والإضرابات الفردية، ما سيقود إلى بدء عملية توحيد الحركة الأسيرة، واستعادة دورها المبادر، وهذا تحدٍّ كبير، تقف إدارة السجون وحكومة إسرائيل ذات اللون اليميني الواحد المتطرّفة والظروف الصعبة وترسبات المرحلة السابقة في وجهه، وتجعل احتمالية حدوثه أعقد، إذا ما أضفنا إليها العوامل الخارجية من انقسام سياسي داخلي، وترهل الحالة الجماهيرية، وضعف المؤسسات والأحزاب، وعدم وجود إجماع على الخطوة، والتشكيك في أهدافها الحقيقية.
يقابل ذلك كله حالة احتقان شعبي، وانسداد للأفق السياسي، وفقدان للثقة بالأساليب والرموز القائمة، وتعطش للتغيير، والبحث عن رمزٍ للالتفاف حوله، وهذا ما قد يجسده الأسرى، قضية لها مكانة خاصة، وتحظى بإجماع واسع، وحضور كبير شعبياً ووجدانيا، يضاف إليها ثقل مروان البرغوثي، وحضوره ورمزيته، وهو الذي هندس هذا الإضراب وقاده، وهو يدرك، في قراره نفسه، أنه يضع على المحكّ ليس تاريخه فقط، بل مستقبله السياسي ودوره المستقبلي داخل السجون وفي الحياة السياسية والنضال الفلسطيني أيضا.
تدرك إسرائيل، أكثر من غيرها، الأبعاد والآثار التي قد تنجم عن هذا الإضراب، الأمر الذي يفسّر الاهتمام الكبير به، والتعامل معه معركة كبرى، وإدارتها إسرائيليا من أعلى مستوى أمني وسياسي (الكابينيت).
ربما يكون هذا الإضراب الأعقد والأكثر إثارة للجدل، وأيضا الأكثر مصيرية، والذي ستترتب على نجاحه أو فشله أبعاد وتداعيات، ستترك أثرها سنوات على الأسرى، ونضالهم من جهة، وعلى الحالة الفلسطينية التي تتوق إلى التغيير من جهة أخرى، وهو تحدٍّ ستكشفه الأيام القليلة المقبلة.

عصمت منصور

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا