اتجاه أثرياء الصين نحو اسكندنافيا يقلق روسيا والدنمارك

تواصل الصين مساعيها لتوسيع استثماراتها ووجودها، حول العالم، لكن الوجهة هذه المرة كانت نحو دول اسكندنافيا (شمال قارة أوروبا)، ما أقلق منافسين بالمنطقة ولا سيما روسيا.
وأعلن في السويد، أخيراً، عن أن مستثمرين صينيين اشتروا مرفأ بحريا في جزيرة “غوتلاند” ببحر البلطيق، وبهذه الصفقة تكون الصين قد أقصت روسيا، الأقرب إلى الجزيرة، من التواجد في هذا المنفذ البحري
ويعتبر التوجه الصيني بالاستثمار نحو الشمال الاسكندنافي استراتيجية يصفها محللون اقتصاديون، في السويد والدنمارك، بأنها “استراتيجية الدفع بالمستثمرين الصينيين لتنفيذ سياسات أمنية عبر ضخ الأموال للشراء والاستثمار حول العالم”. 
ومنذ العام الماضي اشتدت المنافسة بين روسيا والصين في القطب الشمالي. وعليه فقد اندفعت بكين عبر مستثمرين أثرياء نحو محاولة شراء ميناء ضخم في جزيرة “غرينلاند” التابعة للدنمارك. بيد أن كوبنهاغن أوقفت عملية البيع، بناء على قلق رجال الأعمال والسياسيين الدنماركيين من مغزى هذا الاستثمار الصيني المتزايد.
وبينما الأنظار السويدية كانت تتجه نحو روسيا، وما شكلته من تهديد متزايد خلال السنوات الماضية، فإن الاندفاعة الاقتصادية الصينية نحو السويد لم تثر الكثير من الانتباه سوى الفترة الأخيرة، حسب مراقبين. 
وأثار شراء مرفأ ومنفذ بحري في “فورسوند” شمال شرق جزيرة غوتلاند، عن طريق المستثمر الصيني من هوكونغ، لاو مينغ واي، مخاوف جديدة لدى السويديين. فصفقة البيع تمت عن طريق مستثمر سويدي اشترى المرفأ منذ 13 سنة. وأراد هذا المستثمر بيعه مرة أخرى “فلم تستطع وزارة الدفاع السويدية دفع المبلغ المطلوب”، حسب ما قاله ناطق باسم الشركة الصينية السويدية “آرتماكس”، توماس باكتمان. 
ويبدو أن ندم “الدفاع السويدية” أثار مخاوف من تحكم الصينيين في مسائل الإبحار العسكري السويدي في ضوء تزايد التوتر مع روسيا في بحر البلطيق، لكن شركة الاستثمار “آرتماكس” تحاول تهدئة مخاوف الرأي العام السويدي، من خلال عرض يقضي برسو الأسطول السويدي بدون الحصول على أذون “طالما أنهم يدفعون تكاليف استئجار استخدام مباني الرصيف”. 
ووفق ما قال المتحدث باسم الشركة الصينية السويدية آرتماكس، لصحيفة “داغنيوهتر” السويدية فإن “الشراء تم أصلا لأجل الاستثمار في عمليات تأجير المرافق لمن يدفع، وبالتالي لن يكون هناك مشكلة في رسو الأسطول”.
كان الروس، من خلال رجل الأعمال الثري، فلاديمير انتونوف، يفاوضون مستثمرا سويديا على شراء مرفأ بحري بعرض وصل إلى 82 مليون كرونه سويدية (9.2 ملايين دولار)، وهو ما أقلق وزارة الدفاع السويدية، التي وجدت الأمر أسهل في ذهابه للصينيين بدل المستثمرين الروس. ويأتي ذلك على خلفية توتر وتأزم بين الجانب السويدي والروسي. 
ويحاول الروس، عبر مستثمرين أثرياء تربطهم علاقات وثيقة بالكرملين، التغلغل في السوق السويدي بشراء مكثف لشركات وصناعات سويدية، ومنها محاولة أنتونوف بنفسه شراء مصنع ساب للسيارات والمحركات النفاثة.
القلق السويدي من الاستثمار الروسي جعل السياسيين يقترحون تعديلات قانونية على الاستثمار الأجنبي يعطي الدولة السويدية الأولوية في شراء مرافق وبنى تحتية تعتبر حساسة للبلد. 
وتزايدت في السنوات الأخيرة ما يطلق عليه شمالاً “الاستثمار على خلفية سياسية”. فقد اندفعت شركات غربية وروسية نحو منافسة محمومة للشراء في بلاد الطرفين. بينما الصينيون ينفذون بطريقة يطلق عليها المراقبون “الاستثمار الناعم”، وخصوصا مع التوجس الغربي المتزايد من الروس.
ويبدو أن الجهات الاسكندنافية “تجد صعوبة في معرفة طبيعة العلاقة بين المستثمرين الصينيين وحكومة بكين”، بحسب ما قال الخبير في شؤون الاستثمار والأمن، يركر هيلستروم، من معهد الدفاع السويدي.
المستثمر الصيني لاو مينغ واي، 36 سنة، (والده الثري جوزيف لاو) وهو واحد من مستثمري العقارات، اسمه مألوف في السويد، قام قبل عامين بتبرع سخي لمعهد الأبحاث الطبي في جامعة كارولينسكا السويدية بـ310 ملايين كرونه سويدية (35 مليون دولار). ما يعده السويديون “سياسة ناعمة للنفاذ إلى السوق”.
الاستثمار والشراء الصيني للموانئ حول العالم شهد طفرة كبيرة في السنوات الأخيرة، وارتبط الاندفاع الصيني بالنمو الهائل في الاقتصاد وتراكم ضخم في العملات الأجنبية في البلد. ويستثمر الصينيون تلك الأموال في بنى تحتية ضمن مشاريع أطلقتها بكين، كمشروع التنمية “حزام واحد، طريق واحد” بما يخدم مصالحها وانتقال تجارتها حول العالم. 
وحسب ما ذكر تقرير لـ “فايننشال تايمز” في يناير/كانون الثاني الماضي فإن الموانئ التي اشترتها الصين لها استخدامات مزدوجة، مدنية وعسكرية. كما في حالة ميناء بريوس اليوناني وداروين في أستراليا، والأمر الأخير أقلق الأميركيين كون قاعدتهم العسكرية ليست بعيدة عن الصينيين.
في المقابل، بينما كان الصينيون يفاوضون على شراء قاعدة عسكرية دنماركية في جنوب غرينلاند العام الماضي أرسلت بكين بعثات تعليمية لنشر اللغة والثقافة الصينية بين سكان الجزيرة الأصليين (اسكيمويون)، ذهب رئيس وزراء الدنمارك لارس لوكا راسموسن لوضع فيتو على التواجد الصيني بحجة “الأمن القومي”، ما ألغى الصفقة بالكامل.
وفي 2013 حاولت بكين شراء 300 كيلومتر من أراضي شرق جزيرة أيسلندا (في الشمال)، لكن القلق الأيسلندي دفع أيضا بحكومتها لوقف البيع لمستثمر صيني، هوانغ نوبو، الذي تبين بأنه كان يعمل في الحزب الشيوعي الصيني.

اقــرأ أيضاً

بكين تدعو أوروبا إلى عدم زيادة الجمارك على بضائعها

كوبنهاغن ــ ناصر السهلي

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا