اتحاد ميت وحي في النفوس

حدثت ضجة في تونس قبل أيام، بسبب سيدة حامل اضطرت للوضع قبل موعدها الطبيعي بثلاثة أشهر. عملت الطبيبة على إنقاذ الرضيع، لكنها بعد استنفاد الجهد أكدت وفاته، وعندما نفى الوالد ذلك، بحجة أن ابنه تحرك قبل التخلي عنه نهائيا، قرّر القاضي إيقاف الطبيبة بتهمة القتل عمدا، ودفع هذا القرار الأطباء جميعا إلى الدخول في إضراب احتجاجا على اعتقال زميلتهم.
تذكّرت هذه الحادثة، وأنا ألقي مداخلة في ندوة نظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالتعاون مع مركز مدى المغربي، عن مصير اتحاد المغرب العربي الذي تأسس يوم 17 فبراير/ شباط 1989 في مراكش. ولكن، منذ 1994 لم يجتمع حكام الدول الأعضاء في الاتحاد، المغرب وليبيا وتونس والجزائر وموريتانيا، وهم غابوا جميعا عن الركح السياسي، إما بسبب الموت أو العزل أو الاستقالة. وحتى الذين جاءوا بعدهم استمروا في سياسة تقديم الوعود، من دون أن يغيروا شيئا من الواقع المر.
تواترت، أخيرا، تصريحات أكدت أن الاتحاد المغاربي فارق الحياة منذ مدة طويلة، ولكن لا أحد من الحكام تشجع في السنوات الماضية، وأعلم الجميع بأن الهيكل فارغ، وأن الجسم الذي بداخله ليس سوى جثة غير محنطة. تغير المشهد حاليا، بعد أن أعلنت موريتانيا من خلال رئيسها عن انسحابها من الاتحاد، وبرّرت ذلك بعدم الجدوى منه، وقرّرت استبداله بمبادرةٍ أخرى، أطلق عليها دول الساحل، مثل بوركينا فاسو ومالي. أما الملك محمد السادس فلم يتردّد في إعلان وفاة الاتحاد، متهما ضمنيا الجزائر بـ “الخيانة”، في حين أن الأخيرة تعيش حالة انتظار وانحباس الأنفاس لمعرفة أي مستقبل ينتظر البلاد. وانشغل التونسيون بأوضاعهم في المرحلة الانتقالية الصعبة والمعقدة، واكتفوا بتنمية علاقاتهم الثنائية، وفق ما تمليه عليهم مصالحهم الآنية والعاجلة. وعلى الرغم من أن الاتحاد المغاربي لو تم تفعيله لكان من نتائجه ارتفاع نسبة النمو بنقطتين، ولتمكّنت تونس من إيجاد 50 ألف فرصة عمل إضافية، وهو ما يجعلها تقضي نهائيا على البطالة. أما ليبيا فقد قتل معمر القذافي، وانهارت الدولة وأصبحت أوضاعها الأمنية تشكل تهديدا مباشرا للأمن الاستراتيجي لتونس والجزائر.
شكل الاتحاد إضاءة في سماء هذا الجزء الغربي من العالم العربي، لكنه سرعان ما انطفأت أنواره وخبت أنفاسه، ولم يعد صالحا للاستعمال. هناك من يتساءل عن المسؤول عن هذه النتيجة، ويسرع كثيرون إلى اتهام الغرب بالوقوف وراء إفشال هذه المبادرة. لكن مع ضرورة الوعي بأنه ليس من مصلحة أوروبا على سبيل المثال، وخصوصا فرنسا، أن تتجمع دول شمال إفريقيا وتتحول إلى قوة سياسية تستعصي على الإرادة الدولية ، غير أن من شأن تضخيم العامل الخارجي أن يبرّر أخطاء الفاشلين، ويفتح المجال أمام افتراض سيناريوهات مدمرة للعزائم الوطنية. وقد بينت الدراسات أن توحيد السوق المغاربي يخدم الرأسمال الدولي ولا يهدده.
تتحمل الأنظمة السياسية المسؤولية الرئيسية في إفشال الاتحاد، لأن الحاكم في هذه المنطقة يعتقد أنه يحيي ويميت، وعندما لم يجد الحكام المؤسسون ما سيعود عليهم بالنفع من هذا الكيان الذي أوجدوه، قرّر كل واحد منهم العمل على تعطيله، حتى لا يستفيد منه الآخرون، أو يوظفوه لصالحهم. كما أن الخلاف الجزائري المغربي يكاد يصبح بدون علاج، يقوم فقط بتسميم الأجواء في المنطقة. وزاد من درجة العتمة والغرور فقدان الحس الاستراتيجي لدى عموم الطبقات السياسية المغاربية الحاكمة.
هل يعني ذلك قتل الحلم، حلم الاتحاد؟ حتى لو قرّر هؤلاء جميعا إلغاء هذا الطموح، لما نجحوا في ذلك. والأسباب متعدّدة، من بينها الجغرافيا التي لا يمكن تغييرها، وكذلك التاريخ المشترك، إلى جانب المجتمعات المدنية المتمسكة بالدفاع عن هذا الحلم، مع جزء مهم من النخب ورجال الأعمال.
المشكلة ليست في الحلم، وإنما في فقدان شروط تحققه على أرض الواقع.

صلاح الدين الجورشي

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا