الأردن… الحراك يعود رافعاً لواء الفقر

“تسقط حكومة الإفقار”.. بهذا هتف المحتجون وسط العاصمة الأردنية عمّان ظهر الجمعة الماضية ضد حكومةٍ لم تكد تمضي شهرين على أول تعديلٍ عليها، لتُفاجأ بالدعوة من جديد إلى عودة الحراك الشعبي الذي ظنت الدولة أنه انتهى، وأن الظروف في الإقليم تجعل الناس يتعظون مما جرى لغيرهم، لكن عقل الدولة الأردني الذي أتى بهاني الملقي رئيساً للحكومة بات يدرك أن الخطأ قد يقع بالاختيار، وفي تقدير الظروف، لكن تصحيحه لا يتم بالاستماع المباشر للجمهور، بل بدعم الحكومة، لتتماسك وتدير البلد، وهاني الملقي يظل مجرد وارث لظرف اقتصادي صعب، لم يكن من صنع حكومته، لكنه قرّر مواجهته برفع الأسعار وليس بحلول علمية عملية.
يعود الحراك في الأردن، بثلاثية الفقر والفساد والبطالة، وقد تحوّل من المطالب السياسية إلى المطالب الاقتصادية الاجتماعية، غير المنفصلة عن السياسة، وفي مقدمتها محاربة الفساد ورفض اتفاقية الغاز مع إسرائيل. 
واللافت في مسيرات الجمعة (24/2/2017) ودعوات الاحتجاج أخيرا طغيان الهمّ الاقتصادي والمناداة بحكومة إنقاذ وطني ومحاربة الفساد، ورفض الصمت، بالإشارة إلى الإجراءات ضد ناشطين واعتقالهم أخيرا. لكن، ما الذي يدفع الجمهور الأردني إلى العودة إلى الشارع، بعدما انتهى الربيع العربي إلى صور متباينة من القتل والتدمير والدماء؟ وما الاختلاف بين حراك الشارع الأردني اليوم وما حدث قبل سنوات؟

“يعود الحراك في الأردن، بثلاثية الفقر والفساد والبطالة، وقد تحوّل من المطالب السياسية إلى المطالب الاقتصادية الاجتماعية”

لقد فرض الواقع السياسي المعقد أردنيا هندسةً اجتماعية خاصة، تطرح أسئلة عديدة عن الاستجابة، وعن الموقف في حالة اتساع مدى خط المعارضة للحكومة، ورفع الشعارات الداعية إلى العودة إلى الشارع، وهي دعواتٌ لا تلقى الاستجابة المرجوّة من الداعين عند جميع الشرائح المجتمعية، بل نجد بعضهم يحذّر من دعوات الاحتجاج، ويتهمها بالاختراق وتنفيذ أجندات خارجية، وهو ما يلقى رفضاً واستهجاناً عند شباب الحراك الذي يطغى عليهم الانتماء للأطراف والعشائر، والذين يرون أن مطالبهم منتميةٌ لحراك وطني مديد وطويل منذ زمن الإمارة، وهو ضد تبعية البلد للغرب بالديون لجرّه إلى القبول بأي تسوية سياسية مقبلة، في مقابل التعويض، ولتجعل منه وطناً بديلاً في المستقبل. وهكذا يرى الحراكيون أن صوتهم ضرورة لتذكير النظام السياسي بعدم القبول بأي تسويةٍ سياسيةٍ تمسّ التكوين التاريخي والشخصية الوطنية الأردنية، وهم يعزّزون هذا المنحى، في استهجانهم ناقديهم من الذين رفضوا العودة إلى الشارع ومطالب الإصلاح التي يبدو أنها تنحصر في مناطق الأطراف والعشائر. وهنا تصبح الإجابة على سؤال عودة الحراك سهلة، فهو أولاً يعود إلى ظرف اقتصادي متصل بمخاوف وطنية، ترى أن الدولة، بعد سنوات الربيع العربي، انتهت باستقبال مليون وسبعمائة ألف سوري، استُقبلوا، كما يرى كثيرون، على حساب الأردنيين في المياه والبطالة والفقر والتعليم، وإن من دفع الثمن المواطن الذي كافأته الحكومات على عجزها في الفشل في التنمية، وفي إدارة ملف اللجوء السوري، وفي توظيف المساعدات المالية، برفع الأسعار والضرائب وبلوغ الدين العام أقصى درجاته. لا بل إن تركز اللاجئين السوريين في المناطق ذات الصبغة الولائية للحكم، وحدوث فوارق اقتصادية يعيش فيها اللاجئ السوري بظروف أفضل من المواطن من حيث الدخل في تلك المناطق، فإنه يعرّض مخزون الولاء للنضوب.
ثانياً، هناك أسباب أخرى متصلة بالفساد بأنواعه، وآخرها في شركة الملكية الأردنية للطيران، وقبلها الفساد في شركة الفوسفات الأردنية، ووجود قضايا لمحكومين بفساد مالي، ولم يُجلبوا بعد. ويطالب الناس بهم. بالإضافة إلى ذلك فشل ذريع للبرامج الاقتصادية، وظهور طبقة من محدثي النعمة ورجال الأعمال، متحالفة مع سياسات الحكومة، وهو ما أدى إلى بروز حالات احتقان وتوتر شعبي، تؤدي إلى زعزعة العلاقة بين الدولة ومواطنيها وتعاظم فجوة الثقة.
لكن صفة الحراك اليوم لا تملك قوة الدفع التي انطلق بها العام 2011، ولعل مرد ذلك وجود ثغراتٍ راهنية، منها تحييد قوة المعلمين بإنشاء نقابة، واستيعاب كتلة المتقاعدين مرحلياً، وفشل الحركة الإسلامية وتحالفها مع الحكومات، للوصول إلى مكاسب وصفقاتٍ، بالإضافة إلى انقسامها كحركة كبيرة، وفشل الهيئات العمالية، وفي مقدمتها اتحاد النقابات العمالية، في تشكيل قوة قادرة على إدارة ملفات منتسبيه، وخشية الشباب الملتزم بوظائف على مستقبلهم الوظيفي في مؤسساتهم الخاصة والعامة، والحالة العامة لما بعد الربيع العربي، والصورة التي آل إليها. وبالتالي، فإن عودة الحراك اليوم مهما بلغت لن تصل إلى حدوده السابقة، لكنها مسببّة بظرفٍ اقتصادي صعب، وفشل ذريع في إدارة مالية الدولة، وعدم الجدية الكافية في محاربة الفساد بكل أنواعه. ولوحظ تحول في هدف الدولة خلال عامين عن محاربته إلى تحقيق النزاهة، ثم أخيرا تطبيق القانون والعدالة، وهو ما رصدته الأوراق الملكية النقاشية.
إحساس الناس في الأردن بأن الفقر يزداد، والبطالة كذلك، مع فرضية اضطرار الناس للقبول بالأمر الواقع، وتجاهل كل الرسائل التي أرسلت إلى القصر بضرورة استدراك البلد، يتعاظم سلباً مع حكومة رئيسها، على الرغم من بعده عن الفساد والصالونات، إلا أنه موسومٌ بأنه من تيار مدريد ووادي عربة، يظل يشكل عبئاً على المطبخ السياسي الأعلى الذي بات مدركا أن لديه أزمة، عنوانها ضعف الحكومة برأسها، لعدم القدرة على مقارعة الخصوم.

“على وقع الاحتجاجات التي تتجدّد الدعوة إليها، ثمّة ملل محلي، وفقدان أمل لدى الشباب بتغيير الأوضاع نحو الأفضل”

لذلك كان المجيء بالتعديل الحكومي في منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي بوزير ونائب مخضرم، هو ممدوح العبادي، بصفقةٍ سياسية مع العبادي نفسه، على أمل أن يكون التالي، بعد الملقي الذي لا يبدو أنه سيطيل البقاء، والذي لم يقبل بالعبادي بمسمى نائبٍ له، وأبقاه مجرد وزير شؤون رئاسة الوزراء، هذا كله يُظهر ارتياب الملقي من كل الأقوياء من حوله، وهو ما تجسّد بإطاحته كل نوابه السابقين في التعديل المشار إليه. 
عملياً، وعلى وقع الاحتجاجات التي تتجدّد الدعوة إليها، ثمّة ملل محلي، وفقدان أمل لدى الشباب بتغيير الأوضاع نحو الأفضل، والبقاء عند المنحى نفسه في مستوى قوة الحراك، هذا مع ما صاحب نهاية العام المنصرم من تعاطفٍ شعبي مع القوى الأمنية في مواجهة الإرهاب، ما يعزّز دور الأمن وتفضيله خيارا على أي دعوات حراكية، تهدف إلى إيصال الصوت بشكل أكبر، ولو بسقفٍ أعلى مما يحدث تحت قبة البرلمان الذي ثبت للمواطن عدم قدرته على ثني الحكومة عن المضي بقراراتها الاقتصادية غير الشعبية.
لكن، هل تملك الحكومة فرصةً في الأردن؟ نعم، إذا مضت في سياسة توفير مالي، وإدارة حصيفة لمالية الدولة، ومحاربة الفساد بشكل جدّي، وإصلاح تربوي، وخصوصا في التعليم العالي، وهو أمر يبدو الملقي عنيداً في سعيه إلى تحقيقه وتوكيده، لكي يضيف لنفسه ولحكومته منجزا يذكره به الناس، ويستحق الذهاب الأول إلى قبر والده حين كلف بالحكومة.

مهند مبيضين

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا