الأسرى في إسرائيل.. مرّة أخرى

يكشف إضراب الجوع الذي يخوضه الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية قضايا لطالما يحاول الفلسطينيون في الداخل والخارج التغطية عليها، وعدم الخوض في تفاصيلها، فتُترك مهملةً في عتمة أوهام وحدة الشعب الفلسطيني التي يتشدّق بها الساذجون وانتهازيو الرايات الوطنية. لفتني عنوان هذه المقالة التي أكتبها. لماذا نقول الأسرى في إسرائيل، وقضيتهم تشغل الناس من أكثر من ثلاثة أسابيع. ربما يكفي أن نقول الأسرى فقط، لو لم يكن هناك أسرى فلسطينيون لا يحكي أحدٌ حكايتهم، مئات من الأسرى الفلسطينيين في السجون السورية، وعشرات من هؤلاء قتلوا تعذيباً كما تم تجويع عشرات منهم حتى الموت في السنوات الست الأخيرة، ولم يلتفت إلى هؤلاء أحدٌ، لا في الداخل ولا في الخارج، في حملةٍ منظمةٍ، تسعى إلى التذكير بوجودهم ومحاولة بذل الجهد للإفراج عنهم. لا يُقصد من هذا الكلام التقليل من أهمية الإضراب الحالي في السجون الإسرائيلية، ولا من شأن الأسرى أنفسهم الذين يقبع بعضهم في السجون منذ عشرات السنين. السجن مهما كان مرفهاً، مقارنةً مع سجن آخر، يبقى مكاناً قاسياً في وظيفته في حرمان الإنسان من حريته، ومن الفضاء الفسيح لحركته، باعتبار أن هذا الفضاء من حقوق المخلوقات جميعاً، والحرمان منه دليلٌ ساطعٌ على الظلم والاستبداد الذي يتعرّض له من يجهرون بحلمهم في الحرية.

وعلى الرغم من ضعف الحملة الوطنية لدعم الأسرى اليوم في حراكهم المطلبي لتحسين شروط حياتهم الأسيرة داخل السجون، والتلكؤ في همة الفصائل السياسية في تحشيد الشارع، يبقى هؤلاء الأسرى وحراكهم، مهما كانت مآلاته في الأسابيع المقبلة، يمثلون خطوةً من خطوات النضال الشعبي، يمكن أن يبنى عليها لتطوير الوعي الكفاحي لدى المواطنين الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية. 
وربما نتساءل، وغيرنا كثيرون، ونحن ننظر إلى المشهد المحيط بهذا الحراك الذي يقوم به الأسرى، بكل تفاصيل المشهد، من نتاج بطيء في التحرّك المتضامن داخل فلسطين، إن كان من الفصائل، مثل حركة فتح التي يشكل أعضاؤها غالبية الأسرى المضربين، هل قامت “فتح” بما يجب أن تقوم به لدعم الحراك، وقفزت فوق الصراعات الداخلية، ووحّدت الموقف الداخلي الفتحاوي، متناسيةً الصراعات حول المواقع والمراكز القيادية؟ لا يبدو الأمر كذلك، فمما يرشح من معلوماتٍ، يبدو أن نسبة من مركزية “فتح” لا تدعم حراك الأسرى. ولذا، فإن الفاعليات على الأرض تبدو هشّة وركيكة، بدلاً من أن تكون خطوة الإضراب عاملاً لتعزيز دور “فتح” في حالة الانقسام الفلسطيني. 
وإذا نظرنا إلى دور حركة حماس في الإضراب، نجد أنها تسعى إلى إضعافه، من خلال ما أعلنه الناطق باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، حول صفقة تبادل الأسرى، في الوقت الذي أعلنت الحركة عن تغيير ميثاقها وقبولها بما سعت إليه “فتح” ومنظمة التحرير الفلسطينية منذ عقود، ولم تفلح في إنجاز جزءٍ ولو يسيرا منه. 
كان من الممكن لو أن الفصائل الفلسطينية جميعاً رأت في حراك الأسرى لبنةً أولى، وخطوة ثابتةً لتطوير أشكال النضال الوطني المشتت والمنتهك، سعياً إلى تحسين شروط الاعتقال، وصولاً إلى مطلب الحرية للأسرى، وتحشيد المواطنين حول الحراك لمواجهة حالة الركود في الصراع مع الاحتلال، والتخلي عن العنتريات، وعن أساليب الكفاح التي أثبتت فشلها، وجرّ الناس إلى حروبٍ، لم تنتج سوى الدمار والقتل. لكن، من الواضح أن الجميع يستثمر الإضراب لمصالحه في التنافس على السلطة والتسلط، والخاسرون في هذا كله الأسرى والقضية الوطنية نفسها. لقد مثّل الإضراب فرصةً لتطوير النضال الوطني. وللأسف، يفتقد الواقع الفلسطيني للتمثيل السياسي والثقافي القوى الحية التي تستثمر مثل هذه الفرصة، لبناء واقع جديد في المواجهة مع الاحتلال. القوى الحية الحقيقية لتمثيل الأسرى لا يمثلها سوى أمهات الأسرى والشباب الحالمين بالتغيير وعائلاتهم.

نصري حجاج

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا