الإبل كيف نفقت

لا يسعني أن أقول للإبل الباكية الآن على الحدود القطرية السعودية غير ما قاله جدّنا أبو فراس الحمداني لحمامته التي كانت تذرف دمعها على قضبان زنزانته: وقد كنت أولى منك بالدمع مقلة. 
.. وأزيد على الشعر بيتاً، إذ أقول إن طرد السعودية الإبل القطرية من أراضيها إنما يمثل عملية “فضّ اشتباك” لمتلازمة العربيّ والجمل، والتي استقرّت في المخيال العالمي قرونا خلت، وها نحن نشهد، أخيرًا، الخاتمة المأساوية لهذه العلاقة، بنفوق آلاف البعير المطرودة من صحراء إلى صحراء. 
كنت أرجو ألا يشاهد الغرب، حصرًا، مشهد الإبل النافقة على الحدود القطرية السعودية، كي لا تتحطم تلك الصورة الأثيرة في إعلامهم عن العربي والإبل، ورحت أتساءل: بأي حيوانٍ آخر، سيستبدل الغرب الإبل إلى جانب الكائن العربي في إعلامهم وصورهم الكاريكاتورية، بعد هذا المشهد الحزين، أعني بعد أن أدهشهم استخفاف العرب بحياة أهم رمز في وجدانهم، وتركه ينفق جوعًا وعطشًا من دون أن تطرف لهم عين، وتكبيد هذا الرمز ثمن خلافاتهم المزمنة. وسيبحثون بالتأكيد عن حيوان يمثل الصفات العربية الجديدة التي ظهرت لهم في مشاهد الإبل النافقة، وفي مقدمتها، بالطبع، حقد العربيّ على العربي، حدّ الحصار والخنق. وفي هذه الحالة، أجزم أنهم لن يجدوا حيوانًا بهذه الصفات، إلا إذا قرّروا عكس الصورة، وشبّهوا الحيوان بالإنسان، مع الفارق الجمّ بين الثريّا والثرى. 
ماذا تبقى للعربي من رموز قابلة للاحتفاء والتبجيل؟ أتساءل وفي ذهني عشرات الرموز المهشّمة، ليس أولها المسجد الأقصى المستباح، ولا آخرها الإبل النافقة، غير أن للأخيرة وجعًا خاصًّا، وهي التي رافقت العربيّ في حله وترحاله، واحتفى بها الخالق ذاته، حين جعلها آيةً للعرب، وخصّ بها نفسه، موصيًا بسقايتها، لكن القوم أعادوا مشهد الجحود وهم يعقرون ناقة القرن الحادي والعشرين على الحدود، وكأني بهم ينحرون آخر ما يربطهم بجلودهم العربية، أو كأنه نحرٌ جماعيٌّ للذات، والفرار بعيدًا عن كل ما يذكرهم بعروبتهم وتراثهم. 
ولربما كان أكثر المصدومين اليوم خالد بن الوليد الذي ظنّ، ذات احتضار، أن الإبل العربية تموت مدلّلة على فراشها، ولم يكن يرغب بميتةٍ تشبهها، وقد يكون على حقّ في سياقه التاريخي، لأن إبل ذلك الزمن كانت مدللة، حقًا، ومحط هوى العربي الذي لم تكن قصيدةٌ له تخلو من ذكرها، ويا لحظّ الحبيبة التي تماثل مشيتها تثنّي الإبل، غير أن ابن الوليد لم يشهد زمنًا آخر، لا تموت فيه البعير على فراشها، ولا تبقي المعارك العربية — العربية في جسدها موضعًا فارغًا لضربة سيفٍ أو طعنة رمح، فيما يموت أسياد المعارك الدونكيشوتية على سُرر الحرير من شدة التخمة، بعد أن أوكلوا حروبهم الداخلية للإبل والحمير. 
ربما نفقت الإبل التي تحمل الجنسية القطرية جوعًا وعطشًا، بحسب الأنباء، لكنني أوقن أنها ماتت قهرًا هذه المرة، بعد أن نفد صبرها على الملهاة العربية التي يختلط فيها الضحك بالبكاء، خصوصًا وهي تعجب من قدرة مديرية الجوازات السعودية على فرز الإبل حسب الجنسيات، وإدراج البعير في خانة القطريّات كالبشر، تمامًا، ومن يدري فقد تمنع العصافير القطرية من التحليق في الأجواء السعودية قريبًا، ما دام لمسؤوليها هذه القدرة العجيبة على الفرز القُطْري. 
وفي المحصلة؛ لم تعد “سفينة الصحراء” تحتفل بلقبها الذي خلعناه عليها ذات أسفار ومشاقّ، لأنها ترى حجم الثقوب في السفينة العربية أوسع من أن يرتقها راتق، ولأنها هي من آثر أن يفضّ اشتباكه بأسيادٍ كالعبيد، حين يتعلق الأمر بالعصا الخارجية التي تجلدهم صباح مساء، حتى مع امتثالهم للأوامر بحذافيرها. 
أما العذر الأخير، فموجّه لأبي فراس الحمداني، فبعيرنا أحقّ منا بالدمع مقلةً، لأننا، باختصار، لم تعد تُبكينا أي مهزلةٍ أو كارثة عربية أو قومية، مهما استفحل خرابها.

باسل طلوزي

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا