الإعلام الجزائري وإرادة تشكيل العقل والذاكرة

عرفت الساحة الإعلامية والثقافية الجزائرية، أخيرا، تململا شمل محاولات النظام الإبقاء على احتكار تشكيل الرأي العام وتوجيه مضمون المعلومة الإعلامية وشكلها، بما يخدم استراتيجية التسيير الموجّه للسياسة العامة، من خلال قرارات وتعليقات تذهب عكس تيار العصر الذي نعيش فيه، والذي تميزه، بصفة خاصة شاملة وتامة ظاهرة “عولمة المعلومة”، والتوجه نحو فرض “المواطنة الافتراضية” بفضاءات حرية شاسعة ومغايرة التي تريد المنظومة الإعلامية الجزائرية الإبقاء عليها وتسيير السياسة العامة بها. ويتمثل التململ في حادثتين، اتخاذ قرار بعدم اعتماد كتب تاريخية عن الثورة الجزائرية غير التي تشرف عليهـــا وتصدرها مراكز بحث وطنية خالصة، وتعليق لوزارة الخارجية بخصوص تعامل الصحافة الجزائرية مع تقارير وصفت بالمغرضة، تناولت بالتحليل الأوضاع في الجزائر، وخصوصا منها الشؤون الرئاسية المقبلة على خلفية الوضع الصحي للرئيس الحالي، عبد العزيز بوتفليقة. 
بالنسبة للكتب التاريخية، وبما أن مصادرها شهادات من عايش الأحداث التاريخية الكبرى في مسيرة الجزائر مع الاستيطان الفرنسي، إضافة إلى الأرشيف الموجود في فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة للجزائر، فإن القرار يمكن وصفه بأنه تشكيل موجّه للذاكرة الوطنية، خصوصا أن المساعي التي قامت بها الدولة الجزائرية لاسترجاع أرشيفها التاريخي من فرنسا (جزء كبير منه يعود إلى العهد العثماني، إضافة إلى وثائق لها صلة بمجريات المقاومات المختلفة في القرن التاسع عشر والثورة التحريرية الكبرى من 1954 إلى 1962) باءت كلها بالفشل، بعد مفاوضات مضنية وطويلة. 
من ناحية ثانية، كيف يمكن، في عصر المعلومة المعولمة، اتخاذ قرارٍ بتشكيل الذاكرة الوطنية، بدون مصدر تلك الذاكرة الموجود لدى عدو الأمس؟ وإلى أي مدىً تمكن مواجهة وتيرة النشر

“باءت مساعي الدولة الجزائرية لاسترجاع أرشيفها التاريخي من فرنسا بالفشل بعد مفاوضات مضنية وطويلة”

المتسارعة والمتواصلة من الجانب الفرنسي عن الفترة الاستعمارية (1830–1962) والتي يمكن تمثيلها، أخيراً، بكتبٍ كثيرة نشرت بمناسبة مرور نصف قرن على استقلال الجزائر؟ الإجابة عن السؤالين المطروحين كفيلة بوصم القرار المذكور بأنه خوف جزائري من طغيان الرؤية الفرنسية عن تلك الأحداث، إضافة إلى التغطية على استمرار الفشل في المفاوضات لفرض استرجاع أرشيف البلاد، وهو ما يحول دون تمكّن الباحثين الجزائريين من كتابة تاريخ تلك الذاكرة بالنظر والتمحيص في تلك الوثائق، وهو ما سيحول، أبضا، مستقبلا، دون إنهاء الصراعات التي نراها تندلع، بين فترة وأخرى، بشأن أحداث تلك الفترة الاستعمارية بين المؤرخين وصانعي ذلك التاريخ الثوري. 
أما بشأن التقارير حول أوضاع الجزائر، المنشورة أخيرا، وعلقت عليها وزارة الخارجية بأنها “مغرضة”، فإن مجرد النظر فيه يؤدي إلى طرح فرضية أن التقارير تطرقت إلى إشكالياتٍ محورية بشأن منهجية تسيير الشأن العام، وخصوصاً أنها ذهبت إلى الربط بين تلك المنهجية “غير المجدية” والأوضاع الاقتصادية والسياسية الحالية. وبالرجوع إلى تلك التقارير، نجدها مجرد آراء تحليلية لأكاديميين ومحللين سياسيين، جاءت مغايرة للحقائق التي تطلقها السلطات في الجزائر، بخصوص الوضع الاقتصادي، بصفة خاصة، على خلفية تأثر الجزائر بالانخفاض الحاد لأسعار المحروقات واحتمال وصول تداعيات ذلك الانخفاض إلى المساس بسياسة شراء السلم الاجتماعي التي اعتمدتها الحكومة الجزائرية في الفترة التي ارتفعت فيها أسعار المحروقات وعوّضت الحرمان الذي طبع الأوضاع الاجتماعية في فترة التسعينيات، فترة التوتر الأمني، بين سنوات 1992 و1999. 
ترى السلطات أن تلك التقارير “مغرضة”، وصادرة عن جهات مناوئة للجزائر. كما ترى أن مجرد انتشارها، تحليلا وتعليقا، في الصحف الجزائرية “المستقلة”، أو في المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، قد يعكر صفو سياسة الطمأنة التي ما فتئت تتبعها تلك السلطات بشأن تداعيات انخفاض أسعار النفط على الاقتصاد الجزائري، وخصوصا جانب تأثير تلك التداعيات على الحماية الاجتماعية للفئات الهشّة باعتماد ما تعرف بسياسات الدعم للمواد الغذائية الأساسية والمحروقات، بصفة خاصة. كما أن تلك التقارير قد تعصف بجهود الحكومة في محاولة منع العزوف عن الانتخابات التشريعية المقبلة (04 مايو/ أيار المقبل)، والتي سبقتها دعوات أحزاب إلى المقاطعة، وهو ما سيشكل ضربة لمصداقية النظام السياسية في أفق رئاسيات 2019 المنتظرة. 
لكن، إلى جانب وصف تلك التقارير بالمغرضة، تواصل الصحف الحكومية نشر التقارير عن “القدرات الجزائرية في احتواء تداعيات تدهور أسعار المحروقات”، وتنقل تصريحات، ولو من سياسيين فرنسيين، عن نقاط القوة في السياسة المالية للجزائر (تصريح المديرة العامة لصندوق النقد الدولي)، بل ثمة من أشاد بتصريح استشرافي لسياسي فرنسي عن امتلاك الجزائر فرصاً لتصبح قوة ذات شأن في غرب المتوسط. 
وإذا حاولنا، الموازنة بين التقارير “المغرضة” وتلك “المشيدة” بقدرات الجزائر الحالية

“إذا حاولنا، الموازنة بين التقارير “المغرضة” وتلك “المشيدة” بقدرات الجزائر الحالية والمستقبلية، فإنها جميعا، إما موغلة في السوداوية أو في التفاؤل الموجّه”

والمستقبلية، فإنها جميعا، إما موغلة في السوداوية أو في التفاؤل الموجّه، وهو ما يتناقض مع المنهجية الحقّة في التعامل مع الأوضاع الحالية للجزائر التي يمكن وصفها بأنها أوضاع صعبة. لكن، وهو ما تستدعي منهجية تقييم السياسات العامة التعامل معه بعقلانية، يمكن القول إن ثمة فرصا ممكنة ومتاحة لاحتواء التداعيات والبناء عليها للوصول إلى بر الأمان، خصوصاً أن الفرصة، هذه المرة، مواتيةٌ، أكثر من أي وقتٍ، للتحرّر من “الاقتصاد الريعي” والتوجّه نحو “اقتصاد حقيقي”، بالارتكاز على سواعد الجزائريين، وبالإمكانات المتوفرة، الزراعية والصناعية، ومع توفر الطاقات الخضراء، بما يكفل انطلاق استراتيجية اقتصادية حقيقية لمستقبل واعد. 
ونتذكّر، هنا، أن النهضة التركية الحالية، انطلقت سنة 1993، ارتكازا على مقالة ناقدة للعقل التركي وللأوضاع التركية وللإنسان التركي، وهو ما اعتبر، حينها، منطلقا للبحث عن استراتيجية بديلة، انتهت بتركيا إلى احتلال مكانة مهمة بين الاقتصادات العشرين الأكثر حركيةً ونشاطا في العالم بدون نفط ولا غاز، بل بإمكانات تركية خالصة وبإرادة فولاذية، هندس الثنائي أردوغان- أوغلو لإستراتيجية “العثمانية الجديدة”، والعودة بتركيا إلى قوتها المعهودة، وصولا إلى “القوة الإقليمية” في أهم منطقة في العالم، الشرق الأوسط. 
وختاماً، للطرافة، انتشرت، في الآونة الأخيرة، بسبب الاعتماد المفرط على وسائل التواصل الاجتماعي، أخبار أقل ما يقال عنها إنها “مفبركة” أو لنقل “بدون مصدر أكيد”. وعلى الرغم من ورودها في مصادر غير مؤكدة، بل وضعيفة وغير معروفة، إلا أنها استطاعت أن تخترق المنظومة الإعلامية العريقة، وتجد من يصدّقها، ويرد عليها من دون عناء التأكد منها، ما أوقع وسائل الإعلام تلك في ورطة التهكم منها، ومن طريقة تعاملها مع تلك الأخبار التي أصبحت علامةً مميزة لظاهرة “عولمة المعلومة”. 
من المؤكد في الوسط الإعلامي أن لكل خبر مصدراً، ولكل معلومة منهجية محدّدة للتعامل معها، انطلاقا من تأكيدها، ثم تتبع أثرها من منطلقها، وصولا إلى التداعيات التي يمكن أن تنشأ عن تواصل تلك المعلومة مع الواقع والناس تأثيرا وتفاعلا. من هذا المنطلق، فإن “عولمة المعلومة” في عصر وسائل التواصل الاجتماعي وتسارع وتيرة تدفق الخبر في حينه، وخصوصاً مع توفر الهواتف الذكية وارتباطها بالشبكة العنكبوتية، من ناحية، وتوفر القدرة على نشر الصور، التعليقات بل والبث الحي للتظاهرات ونشر فيديوهات الحوادث، من ناحية ثانية، وقد ساهم ذلك كله في انحسار فضاء احتكار وسائل الإعلام التقليدية للثلاثي المعروف في المنظومة الإعلامية، المعلومة والخبر والصورة. 
على هذا، سارع الناس إلى احتلال هذه المساحات الإعلامية والتواصلية، محاولين ليس إيصال المعلومة وإبراز الرأي فيما يحدث في المجتمع، بل التأكيد على نوع جديد من المواطنة التي

“لكل خبر مصدر، ولكل معلومة منهجية محدّدة للتعامل معها، انطلاقا من تأكيدها، ثم تتبع أثرها من منطلقها”

يمكن تسميتها بالمواطنة الافتراضية، التي ليس لها حدود للخيال ولا حدود للتعبير عن الرأي، وهو الأمر الذي دعا حكومات كثيرة عبر العالم إلى سن قوانين تتكيّف مع هذا العالم الافتراضي، وتداعيات التعامل من خلاله مع الشأن العام، دفاعا عن المبادئ الأخلاقية، وعملا على استرداد بعض مساحات الحرية التي حاول المواطنون، وخصوصا في عالمنا العربي، الإمساك بها، لتعويض الغياب عن ساحة المشاركة في صنع القرار أو انتقاد سياسات الحكومة في تسيير السياسة العامة في كل الميادين. من مميزات العالم الافتراضي انتشار ظاهرة “فوضى الخبر”، وعدم القدرة على التمحيص للتعـرّف على “الغث” و”السمين” منها، وهو ما أصبح يعرف بمواقع وصفحات “الفايك”، أي الأخبار الكاذبة. ولنقل، في بعض الأحيان، الأخبار “المازحة”. 
على وقع الحملة الانتخابية لرئاسيات فرنسا والصراع المحتدم بين توجهات اليمين (التقليدي والمتطرّف) المعادي للمغتربين والمرتكز على “الشعبوية” واليسار (الاشتراكي والشيوعي، كلاهما)، والمعروف بتبنيه سياسات أوروبية. لكن، مع انتشار تيار الشعبوية، تحوله للارتكاز على أفكار أكثر وطنية في التعامل مع “الإسلام” وقضايا الأمن، بصفة خاصة، على وقع تلك الحملة، عمدت مواقع معروفة بتوجهها الكوميدي في صنع الأخبار إلى إطلاق إشاعة مفادها تصريح زعيمة اليمين المتطرّف، مارين لوبان، تقليدا منها ما يريد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب القيام به، إزاء جاره المكسيكي، أنها تعتزم “بناء جدار بينها وبين الجزائر لمنع تدفق المهاجرين وإن الجزائر ستلتزم بدفع تكاليفه”. ومع علامات المزحة في الخبر من ناحيتين، عدم وجود حدود بين الجزائر وفرنسا، كالتي بين أميركـا والمكسيك، وصدور المزحة عن ممثل كوميدي فرنسي معروف بتناوله الكوميدي الأخبار وتعليقاته الساخرة عليها، إلا أن صحيفة يومية جزائرية سارعت، في صفحتها الأولى، إلى التعليق بعنوان عريض، مارين لوبان تقلد ترامب، وتصرح “فرنسا ستبني جدارا بينها وبين الجزائر والجزائر ستدفع ثمنه”. وقد أثار الخبر تعليقات ساخرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتهكمت صحف فرنسا كثيرا من عدم تمكّن الصحافة الجزائرية من التفريق بين الخبر الإعلامي والتعليق الساخر من معلق كوميدي اسمه غورافي، صاحب صيت كبير في فرنسا في “صنع الخبر الاجتماعي الضاحك” والتعليق عليه في برامج تلفزيونية كوميدية.

محمد سي بشير

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا