الانتخابات الإيرانية… صوتٌ واحد بنبراتٍ مختلفة

على هدي إيقاع المؤسسة الأمنية والدينية، ستسير الانتخابات الرئاسية الإيرانية اليوم (19 /5/ 2017)، فالحديث المتواصل عن الاستعدادات الأمنية لا يخلو من نبرة تهديد للمشككين لاحقاً بنتائج الانتخابات، أو الراغبين باجتراح تجربة الحركة الخضراء التي خاضها المرشحان مهدي كروبي وزميله مير حسين موسوي عام 2009، طعناً بالنتائج، ورفضاً للصيغة التي آلت إليها الانتخابات التي قوّضت جهود الإصلاحيين حينها لصالح محمد أحمدي نجاد. 
بالكلام الهادئ، وأمام دفعة من خرّيجي الحرس الثوري، لمّح المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، إلى وجوب التيقُّظ من الفتنة والاستعداد إلى “وأدها في مهدها”، بعد كلامٍ مسهبٍ عن “العدو” المتربص بإيران، في عملية استبدالٍ جديدة في خطاب رأس الدولة الذي طالما كان يشير إلى العدو بوصفه أميركا “الشيطان الأكبر” تصريحاً لا تلميحاً، ليصار إلى أن العدو هذه المرة بات مفردةً أوسع، وقد يكون معناها هنا بعد توسعتها من حقلها الضيّق (أميركا) إلى أعداء كثيرين بصيغة المفرد، فهم قد يكونون عرب الخليج، والقوى الديمقراطية داخل إيران، وأميركا والدول الغربية، ومعارضي بشار الأسد… إلى آخر حقل العداء الذي بات يتسع إيرانياً. 
هذا الكلام وسواه، والتلويح المستمر بوجوب حفظ الاستقرار والأمن خلال العملية الانتخابية،

“مشكلات اقتصادية واجتماعية مركّبة وشديدة التعقيد نتيجة الاحتباس الديمقراطي المتواصل”

يأتي مجدّداً خشية تكرار سيناريوهات مفزعة لنظام الجمهورية الإسلامية التي أصرَّ الوليُّ على تذكير مرشحيها بوجوب المحافظة على “الأمن القومي والاستقرار الوطني”. في مقابل هذا التلويح المستدام بالضد من المتربصين والعملاء ومثيري الفتن، يأتي استعراض أمين لجنة الانتخابات، حسين ذو الفقاري، جملةً من التعزيزات الأمنية والاستخباراتية، بل وعن جهوزيَّة الحرس الثوري لتغطية العملية الانتخابية، وإذا كانت إيران في داخلها لا تعاني مشكلات أمنية، كالتي تعصف بجوارها، فإنه يفهم من كلام ذو الفقاري أن المراد بمفردات الجهوزية الأمنية والاستخباراتية تلك تهديد المواطنين الراغبين بالتعبير عن أهوائهم السياسية المعارضة، أو التفكير حتى باستعادة شيء من ربيع طهران، أو الحركة الخضراء. 
ليس لموقع رئيس الجمهورية في إيران أي دورٍ حسّاس، في ظل نظام الولي الفقيه الثيوقراطي، فمهما علا صوت الرئيس، فإنه كمن يصرخ في بيت زجاجي محكم الإغلاق، فالصلاحيات الممنوحة للولي الفقيه، بموجب الدستور والأمر الواقع، وإحكامه السيطرة على مفاصل الجيش والحرس الثوري والمليشيا الثورية والمؤسسة الدينية كفيلةٌ بتحجيم دور الرئيس وحجبه كذلك، بيد أن العملية الانتخابية (الديكور) مطلوبةٌ دائماً مذ قامت الجمهورية الإسلامية 1979، وما استتبعها من تقزيم للرئيس إلى درجة خلعه من الحكم، كحال خلع الرئيس الإيراني الأسبق أبو الحسن بني الصدر. 
الانتخابات التي يخوضها حسن روحاني وإبراهيم رئيسي بشكل أساسي، تبدو مهندسةً إلى درجة

“عنوان الانتخابات الإيرانية هذه: اختبار النظام الأمني والعقائدي والجهاز الإعلامي في إيران إزاء تهديدات داخلية وخارجية كثيرة”

كبيرة، كي لا تدخل إيران من خلال أصوات بعض المرشحين في نفق الرفض والاحتجاج على ما أودت إليه انتخابات 2009، وإن كانت حظوظ الرئيس الحالي حسن روحاني وإبراهيم رئيسي صاحب نظرية “الإدارة الجهادية” أقرب إلى الفوز من منافسيهم. وهذا قد يعكس طبيعة المزاج الحاكم في إيران بوجوب وصول شخص أقلَ قابليةً لإثارة المتاعب إلى الحكم، أو لنقل أن يكون منسجماً والخط الذي تسير فيه الجمهورية، وذلك كله في ظل استطالة إيران في المنطقة، ابتداءً من لبنان ومروراً بسورية والعراق فاليمن، وفي ظل التلويح الأميركي الجديد في عهد دونالد ترامب الذي بات يبغي تحجيم الأدوار الإيرانية المتنامية، والتقليل من الديناميكية الإيرانية في إدارة ملفّات المنطقة، والتي استفادت من رخاوة الإدارة الأميركية زمن باراك أوباما. 
يمكن أن يكون عنوان الانتخابات الإيرانية هذه: اختبار النظام الأمني والعقائدي والجهاز الإعلامي في إيران إزاء تهديدات داخلية وخارجية كثيرة، فالتحدي الداخلي قديم ومتجدّد، من خلال وضع الأقليات العرقية والطائفية التي تتحيّن لحظتها للانتفاض على الحكم في طهران، كحال كرد إيران الذين أعلنت ستة أحزاب قومية كردية، تحوز مساحة من الشعبية، مقاطعتها الانتخابات، إلى جوار الحركة القومية العربية في الأحواز التي تؤكد عدم مشروعية الحكم، ووجوب مقاطعة الانتخابات، مروراً بالبلوش والأذريين، وسواهم من قوميات إيرانية من غير الفرس. إلى ذلك، تتزايد في الداخل، وعلى الرغم من التضييق على الحركة الديمقراطية الإيرانية المختبئة من عسف النظام وطغيانه، ويضاف إلى كومة المشكلات تلك، المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المركّبة وشديدة التعقيد نتيجة الاحتباس الديمقراطي المتواصل. 
لا يلتفت العالم، ولا المعارضة الإيرانية على اتساعها، إلى انتخابات اليوم، ولا يعوّلان عليها كذلك، فهي، في أحسن الأحوال، عملية اجترار للنظام، وإنْ بصورٍ أخرى، فالواقع، والذي نعني به المرشحين للرئاسة، تعني لمراقبي الشأن الإيراني شيئاً واحداً فحسب، هو أن صوت النظام الإيراني سيبقى واحداً، وإن اختلفت النبرات.

شورش درويش

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا