“البشر في مواجهة التكنولوجيا”: صناعة المصائر في وادي السيليكون

كتاب “البشر في مواجهة التكنولوجيا: كيف تقضي الإنترنت على الديمقراطية؟” للكاتب والإعلامي البريطاني جَيمي بارتلت (1979) عمل آخر يمكن تصنيفه ضمن مجموعة كبيرة من المؤلفات التي ظهرت في السنوات الأخيرة في الغرب تقوم على نقد ظاهرة الثورة الرقمية بكل منتجاتها التي تقدّمها (وتفرضها) شركات تكنولوجية ضخمة بمنصات يؤمّها مليارات البشر في كل يوم. يشرح بارتلت في هذا الكتاب ما يسميه مخاطر الثورة الرقمية، ويقدم حلولاً ملموسة حول كيفية حماية خصوصيتنا الشخصية، بل وحماية العملية الديمقراطية أيضاً.

وبحسب المؤلف فقد كان المنتظر من الثورة الرقمية ووليدها المحظوظ الإنترنت أن تطلق سراح البشر وتمنحهم المزيد من الحرية. لكن — وكما يشير المؤلف — يبدو أننا قد سلّمنا عن غير قصد الكثير مما نملك لقوى غامضة تختبئ وراء جدار الشفرة، كما يشير إلى أنه قد تم التلاعب بكل شيء من قبل حفنة من الرجال الخياليين في وادي السيليكون.

يضيف صاحب كتاب “الإنترنت المظلم” (وهو كتاب آخر ضمن نفس السياق) أنه وفي ضوء المعلومات الأخيرة التي أفضت إلى فضائح حول شركات مثل “فيسبوك” و”كامبريدج أناليتيكا” ما الذي تعنيه اليوم الديمقراطية في ظل سطوة البيانات الضخمة والمعلومات الكلّية والذكاء الاصطناعي؟

يعتبر بارتلت أنه من خلال احتضاننا الكبير للتكنولوجيا الضخمة، يتم إزالة اللبنات الأساسية للديمقراطية وببطء، وتتآكل الطبقة الوسطى، وتضعف السلطة السيادية والمجتمع المدني، ويفقد البشر قدراتهم النقدية، وربما حتى إرادتهم الحرة.

هنا يستفيض المؤلف في شرح التهديد الذي يعانيه نظامنا السياسي الهش من قبل الثورة الرقمية التي استطاعت أن “تصرعه” في كثير من المواجهات. ويقترح المؤلف عدداً من الحلول لمواجهة ذلك التهديد من خلال دعم ست ركائز أساسية للديمقراطية لكي ننقذها قبل فوات الأوان، يقول معدّداً مقترحاته: “نحتاج لأن نصبح مواطنين ناشطين، وأن ندعم ثقافة ديمقراطية مشتركة، وأن نحمي الانتخابات الحرة، ونعزز المساواة، ونحمي الحريات التنافسية والمدنية، ونثق في السلطة السيادية”.

ويبيّن صاحب كتاب “الراديكاليون.. غرباء يغيّرون العالم” أنه ما لم نغيّر مسارنا جذرياً، فإن “الديمقراطية ستأخذ مكاناً إلى جانب الإقطاع والنظم الملكية والشيوعية باعتبارها مجرّد تجارب سياسية أخرى اختفت بهدوء”.

يضمّ الكتاب ستة فصول، يتناول كل منها تأثيرات التكنولوجيا على أحد أركان الديمقراطية التي يعتقد الكاتب أنها عرضة لهزّات كبيرة. ويركز الفصل الأول على تأثير البيانات في الإرادة الحرة للبشر، أما الفصل الثاني فينظر في الأثر الناتج عما يعرف بكثافة البيانات على البشر. ويهتمّ الفصل الثالث بكيفية تغيير التحليلات الرقمية لنتائج الانتخابات بطرق لم يفهمها الناس بعد، أما الفصل الرابع فيقدّم رؤية واقعية لمستقبل الذكاء الاصطناعي. وفي الفصول الأخيرة من الكتاب، يتناول المؤلف الصعوبات الناتجة عن الجانب الاحتكاري لشركات التكنولوجيا المشهورة والتي تتخذ من وادي السيليكون في الولايات المتحدة الأميركية مقراً لها، ثم يناقش المخاطر الناجمة عما سماه بفوضى التشفير التي سمحت للعملات المشفرة الخفية (البتكوين وأخواتها) بأن تكون قادرة على التحايل على الحكومات على نطاق واسع.

ويرى المؤلف أن سيطرة شركات التكنولوجيا الكبرى على مصائر البشر تمثل اتجاهاً خطيراً هو في الواقع عبارة عن تنازل عن المسؤوليات الاجتماعية الأساسية للآخرين. ويعتقد أن على الدول أن تتدخل في مرحلة من المراحل لسن القوانين ووضع الوسائل التي تعبّر عن إرادة الشعب وتحمي حقوق الناس.

وبحسب جيمي بارتلت فإن وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت تسهل التفكير السريع والغريزي والعاطفي بدلاً من عمليات التفكير الهادئة والمنطقية والعقلانية. كما أن هذه الوسائل تيسّر مشاركة المحتوى غير المحصّن والعاطفي والمزيف في بعض الأحيان وبشكل سريع. ويجادل المؤلف بأن شركات التكنولوجيا الكبرى استفادت من نقاط الضعف تلك وجعلتها سمة هيكلية لكيفية كسب المال.

وللتذكير فإن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً دراماتيكياً في الانتخابات الأخيرة في الولايات المتحدة الأميركية، وقد أتت بالرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض رغم أن الميول الشعبية كانت تبدو نافرة منه. ففي تلك الانتخابات جرت الإفادة من التقنية بطرق مثيرة للجدل، وأحياناً غير قانونية، لجمع البيانات عبر الإنترنت.

وهنا تجدر الإشارة إلى ما عُرف بفضيحة “كامبريدج أناليتيكا” هذه الشركة البريطانية التي لعبت هي الأخرى دوراً محورياً في التلاعب ببيانات فيسبوك لاستهداف الناخبين في الانتخابات الأميركية لعام 2016.

وفي ما يتعلق بجمع البيانات، فإن اهتمام بارتلت الرئيسي هو أن الإعلانات المخصصة للناخبين المحتملين تمنع إمكانية إجراء حوار مشترك في برامج المرشحين السياسية، حيث يتلقى كل فرد رسالته الخاصة. ومع صعود ما عُرف باسم “البوتات الروسية” وغيرها من وسائل التضليل عبر وسائل التواصل، فإن بارتلت يشعر بالقلق من تأثير التسويق الرقمي على مصداقية الحملات الانتخابية.

في قراءة لهذا الكتاب صدرت في صحيفة الغارديان البريطانية، جرت الإشارة إلى أن الحديث عن تهديد وجودي قوي للديمقراطية والإنسانية على وجه الخصوص من قبل التكنولوجيا والثورة الرقمية، ربما نعثر فيه على نوع من المبالغة، حيث يرى صاحب المقال أن الأزمة التي يحذّر منها الكتاب ليست عميقة إلى ذلك الحد الذي تستعصي معه الحلول، لذا فإن ما يطرحه جيمي بارتلت من حلول في نهاية الكتاب لا يعدو أن تكون مجرد أفكار، ولا يمكن اعتبارها حلولاً واضحة وصريحة ومحددة المعالم.

إلى حد كبير، تنفي هذه القراءة المضادة الكثير مما يحدث في العالم اليوم؛ عالم مليء بقصص شركات التكنولوجيا الكبرى، قصص على شاكلة حكايات القراصنة الذين يتسللون إلى حساباتنا على منصات التواصل المختلفة، وذلك عبر ما يطرحون من معلومات تهدف لتشكيل الرأي العام والتأثير في مجريات الأحداث السياسية. دون أن ننسى السجالات حول الدور المتنامي لمنصة مثل فيسبوك ودورها في تشكيل وعي الناس، وربما تغبيش هذا الوعي من خلال دفع الناس إلى مناطق معينة للتفكير والاهتمام. وإجمالاً، فإن ما يحدث عبر الإنترنت أكثر من ذلك بكثير، هو في محصلته النهائية سعي دؤوب لتشكيل المجتمعات على اختلاف جغرافيتها وناسها.

بالعودة إلى كتاب “البشر في مواجهة التكنولوجيا”، فإن مؤلفه يختمه بمقترحات أخرى للحفاظ على الديمقراطية من الهجمة الشرسة للتكنولوجيا الرقمية. ويمكن تلخيص هذه الأفكار في: العمل على تكوين الرأي المستقل بعيداً عن أي إملاءات، وخاصة ما يبث عبر وسائل التواصل دون أي رقيب أو حسيب. ويدعو المؤلف في هذا الصدد إلى ضرورة وجود الثقافة الديمقراطية القائمة على الحقائق وروح التوافق، إذ يقتضي الحفاظ على الديمقراطية من الهجمة الشرسة التي تشنها عليها التكنولوجيا أن تكون الانتخابات حرة ونزيهة وتحظى بثقة الجمهور.

ويؤكد بارتلت في توصياته على ضرورة سيادة المساواة في مجتمعاتنا في ظل وجود طبقة وسطى واعية بدورها، وكذلك لا بد من وجود اقتصاد تنافسي يمنع سيطرة الشركات الاحتكارية، ومجتمع مدني مستقل، وسلطة سيادية قادرة على إنفاذ إرادة الجماهير ومسؤولة أمامها.

اقــرأ أيضاً

“سيلفي” وهوس الكمال المطلَق

عثمان كباشي

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا