الترسانة النووية العالمية بزمن ترامب-بوتين: 15700 رأس تنتظر الزرّ

بيار عقيقي

بل يومين من الانتخابات الرئاسية الأميركية (8 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي) خرج الرئيس الأميركي (السابق) باراك أوباما، بعبارة ذات مدلول بالغ الأهمية، مرتبط بمصير الولايات المتحدة وحتى العالم. في مدينة كيسيمي بولاية فلوريدا، وخلال لقاء انتخابي داعم لمرشحة الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية، هيلاري كلينتون، حسم أوباما موقفه من المرشح الجمهوري، الرئيس الحالي دونالد ترامب قائلاً إن “ترامب لا يستطيع إدارة حسابه على تويتر، فكيف يمكنه الاحتفاظ بشيفرة السلاح النووي؟”. تكفي هذه العبارة للدلالة على خشية أوباما من “لاعقلانية” ترامب، والتي بدأت تظهر في إدارته البيت الأبيض والبلاد، سواء في التعيينات في المناصب الحساسة، أو في سياق التصريحات والتصريحات المناقضة. صحيح أن ملاحظة أوباما رماها في سياق ساخر في الشكل، إلا أن كثيرين التقطوها وفسروها كجرس إنذار حقيقي، وخصوصاً بعدما جاهر ترامب رسمياً، عبر تغريدة على “تويتر”، في 22 ديسمبر/كانون الأول الماضي، بـ”رؤيته” لكيفية إدارة الملف النووي العالمي إن جاز التعبير. قال حرفياً إنه “يتوجب على الولايات المتحدة أن تعزز قدراتها النووية وأن توسعها، إلى حين يأتي وقت يعود فيه العالم إلى رشده بشأن الأسلحة النووية”، من دون أن يوضح ما يعنيه. ويعتبر تصريحه خروجاً كاملاً عن خط أوباما الذي دعا في العاصمة التشيكية، براغ، ربيع عام 20099، إلى “التخلّص من الأسلحة النووية”. وبالتزامن مع حديث ترامب عن “تعزيز القدرات النووية”، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قد حدّد، في اليوم عينه، أولويات الجيش الروسي لعام 2017، وهي “تعزيز القوة الضاربة النووية لروسيا”. وبغض النظر عن الشكوك في العلاقة الحميمة التي يمكن أن تربط بين واشنطن وموسكو، فإن صدور هذا الكلام، في اليوم نفسه، من العاصمتين الأميركية والروسية، يوحي موضوعياً، بما يشبه الإعلان الرسمي لسباق نووي لم يتوقف أصلاً رغم عشرات اللقاءات والاتفاقات العالمية متعددة الأطراف، أو الثنائية، في زمن ما بعد انتهاء الحرب الباردة (1947 ـ 1991)، للتخلص من الترسانة النووية العالمية.

في مسألة “تعزيز القدرات النووية”، الأميركية والروسية، يبدو واضحاً أن ساكني البيت الأبيض والكرملين، لا يعبآن بالمعاهدات الأميركية ـ الروسية (السوفييتية سابقاً)، المتعلقة بالحدّ من السلاح النووي. مع العلم أن واشنطن وموسكو صاغتا مجموعة معاهدات مرتبطة بمعالجة ملف السلاح النووي. وبدأ الأمر مع المعاهدة الأولى “سالت 1” (1969 ـ 1972)، ثم معاهدة “الحدّ من الصواريخ الباليسيتية” (1972)، وتلتها “سالت 2” (1972 ـ 1979)، ثم اتفاقية القوى النووية المتوسطة (1987)، ثم “ستارت 1” (1992)، وتلتها “ستارت 2” (1993)، و”سورت” (2003 ـ 2010)، و”نيو ستارت” (2010). مع العلم أن المعاهدة الأخيرة تنتهي في عام 2021، وهو ما يتزامن مع انتهاء ولاية ترامب الأولى (2020). كما أن ولاية بوتين تنتهي في عام 2018، وفي حال ترشح وفاز، فإنه محكوم مع ترامب، في حال ترشح لولاية ثانية، في صياغة اتفاق جديد بين روسيا والولايات المتحدة، لـ”التخلّص من النووي”.

وينص اتفاق “نيو ستارت” على “الحدّ من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية في البلدين، على أساس الصواريخ الأرضية الاستراتيجية والعابرة للقارات الذاتية الدفاع، وغواصات الصواريخ الباليستية، والقاذفات الثقيلة، فضلاً عن الرؤوس الحربية النووية المكونة لتصل إلى 1550 رأساً نووياً”. أمر يبدو غير وارد حالياً، إذ لم يعد الحديث عن السلاح النووي ينصبّ حول “إزالتها” من العالم، بل تحوّل هذا السلاح إلى كلمة مطاطة في لغة التهديدات المتبادلة أو في سياق “استخدام الردع” ضد دولة أخرى، مثلما حدث أثناء تهديد بوتين بضرب مواقع المسلحين في سورية بالنووي “لو اقتضى الأمر”، حين تدخّل الروس لنصرة النظام السوري في 30 سبتمبر/أيلول 2015، وصولاً إلى إعلان وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، يوم الخميس الماضي، أن “بلاده عازمة على استخدام الردع النووي ضد كوريا الشمالية لو تطلّب الأمر”، رداً على إطلاق الأخيرة صاروخاً باليستياً، يوم الأحد 122 فبراير/شباط الحالي.

لا تقتصر مخاطر السلاح النووي على تدميره البيئة الطبيعية والديمغرافية والاقتصادية بالكامل، سواء في نطاق جغرافي صغير أو واسع، بل على كونه السلاح الذي يعتمد أساساً على الذرّة، القوة الأكثر تدميراً في تاريخ البشرية، والتي يقدر الإنسان على صنعها. وإذا كانت الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) لم تنته عملياً، سوى بقصف هيروشيما وناكازاكي بقنبلتين نوويتين أميركيتين، يومي 6 و9 أغسطس/آب 1945، فإن أي حرب مقبلة، في حال استُخدمت فيها الأسلحة النووية، لن تنتهي سوى بتحوّل الكرة الأرضية إلى نسخة كبيرة من هيروشيما وناكازاكي.

ويبدو من خلال التصريحات النارية الأخيرة لزعماء كثيرين، فضلاً عن التجارب الكورية الشمالية في الأعوام الأخيرة، أن معاهدة “الحدّ من انتشار الأسلحة النووية” ستصبح حبراً على ورق. وبعيداً عن الضجيج الذي يرافق امتلاك الرئيس الأميركي دونالد ترامب الصلاحية الحصرية للضغط على الزرّ النووي الأميركي، فإن هناك أزراراً نووية عدة لتسع دول مصنّفة في “النادي النووي” يمكن ضغطها في أي وقتٍ. ولا يتعلق الأمر ببضعة الرؤوس، فالترسانة الأميركية تضمّ مثلاً بين 1790 و7300 رأس نووي. الروس يملكون بين 1750 و6970 رأساً نووياً. البريطانيون موجودون بعددٍ يتراوح بين 150 و215 رأساً نووياً. الفرنسيون، الذين اعتادوا إجراء تجاربهم في المحيط الهادئ، قبالة نيو كاليدونيا، يملكون بين 290 و300 رأس نووي. أما الصين فتملك نحو 260 رأساً نووياً، فيما دفع الصراع التاريخ بين الهند وباكستان، إلى امتلاك الأولى بين 100 و120 رأساً نووياً والثانية بين 110 و130 رأساً. أما كوريا الشمالية، فتملك نحو 10 رؤوس نووية. وفي وقتٍ لا تعلن إسرائيل عن عدد الرؤوس النووية التي تمتلكها، ترجّح مختلف المعطيات امتلاك دولة الاحتلال بين 60 و400 رأس نووي المنتجة من مفاعل ديمونا.

وتبقى الولايات المتحدة الدولة السبّاقة في إجراء التجارب النووية، والتي بدأتها في 16 يوليو/تموز 1945، وتلتها روسيا، تحت اسم الاتحاد السوفييتي، في 29 أغسطس/آب 1949، ثم بريطانيا في 3 أكتوبر/تشرين الأول 1952، ففرنسا في 13 فبراير/شباط 1960، فالصين في 16 أكتوبر/تشرين الأول 1964، ثم الهند في 18 مايو/أيار 1974، فباكستان في 28 مايو/أيار 1998، ثم كوريا الشمالية في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2006. أما الإسرائيليون، فتشير المعطيات الشحيحة إلى أنهم استخدموا أول تجربة لهم بين عامي 1960 و1979.

كذلك تنشر الولايات المتحدة عدداً من أسلحتها في الخارج، وتضمّ قاعدة كلاين بروغل البلجيكية بين 10 إلى 20 رأساً نووياً أميركياً، وتحتضن قاعدة بوخيل الألمانية 20 رأساً نووياً أميركياً، وتضمّ قاعدة غيدي توري الإيطالية بين 10 إلى 20 رأساً نووياً أميركياً وقاعدة أفيانو الإيطالية أيضاً 50 رأساً نووياً أميركياً. وتستقبل قاعدة فولكل الهولندية 22 رأساً نووياً أميركياً وقاعدة إنجيرليك التركية بين 60 و70 رأساً نووياً أميركياً. بالتالي نحن أمام عددٍ يتراوح بين 4040 رأساً نووياً و15705 رؤوس نووية. وهو رقم مخيف وكافٍ لتدمير الكرة الأرضة مرات عدة، وبصورة أكثر فتكاً من النيزك الذي ضرب الأرض قبل 65 مليون سنة، وأدى إلى انقراض من 60 إلى 80 في المائة من الأنواع الحية، بما فيها الديناصورات التي انقرضت، واحتاجت الأرض إلى ملايين السنوات لتعود إلى تركيبتها الطبيعية، وذلك بحسب علماء الطبيعة.

في المقابل، فإن استخدام الطاقة النووية سلمياً، أمر مختلف تماماً، وهي قادرة على المساهمة بشكل فعّال في تنمية المجتمعات وتطوّرها. ويوجد 470 مفاعلاً نووياً لأغراض سلمية في 32 بلداً، وهي: 99 مفاعلاً في الولايات المتحدة، و58 في فرنسا، و43 في اليابان، و35 في كل من روسيا والصين، و30 في كوريا الشمالية، و25 في كوريا الجنوبية، و21 في الهند، و19 في كندا، و15 في كل من بريطانيا وأوكرانيا، و10 في السويد، و8 في ألمانيا، و7 في كل من إسبانيا وبلجيكا، و6 في كل من تايوان وتشيكيا، و5 في سويسرا، و4 في كل من سلوفاكيا وباكستان والمجر وفنلندا، و3 في الأرجنتين، و2 في كل من جنوب أفريقيا ورومانيا والمكسيك وبلغاريا والبرازيل، ومفاعل واحد في كل من سلوفينيا وهولندا وإيران وأرمينيا.

أما في الدول العربية، فتعمل مصر على إنشاء مفاعل لها في منطقة الضبعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط بالاتفاق مع روسيا، بينما ضرب سرب الطيران الإسرائيلي مفاعل “تموز” العراقي في عام 1981، وقد حاولت ليبيا صناعة مفاعل نووي خاص، عمد العقيد الراحل معمّر القذافي إلى تفكيكه مع بدء الغزو الأميركي للعراق عام 2003. أما في المغرب، فتبدو المحاولة جادّة في إنشاء مفاعل “المعمورة” النووي برعاية أميركية، بينما عقدت الجزائر اتفاقاً مع شركة أرجنتينية لإنشاء مفاعل “نور”، ثم مع الصين لإنشاء مفاعل “السلام”. وقد كشف الأميركيون على المفاعلين، قبل التيقن من أنهما سيُستخدمان لأغراض سلمية. وانضمت الإمارات أخيراً إلى الدول الساعية لامتلاك مفاعل نووي وفقاً لمبادئ اتفاقية باريس للتغيّر المناخي عام 2015، بمعونة كوريا الجنوبية.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.