التهجير في سيناء

في مشهد إدارة سيناء، تبرز بشكل كبير إرادة التهجير، وإن بدأت تدريجية من أقصى مدينة رفح شرقاً واستمرت متمدًدة غرباً وجنوباً، لتشمل مدينة الشيخ زويد وجنوب المدينتين من القرى المحيطة بهما، فإنّ الدور وصل إلى مدينة العريش، وبدت في المشهد مظاهر حمل الناس على ترك المدينة أكثر وضوحاً.
يضاف إلى ذلك شيوع حالة من الرعب والخوف من انتشار عمليات الخطف والقتل، وهي تتم على مرحلتين، مرحلة خطف تعيش فيها عائلة المخطوف أجواءً من الهلع والرعب ينتقل إلى جيرانهم ودوائر محيطة بهم، ثم يأتي الخاطفون بضحيتهم ليقتلوه وسط المدينة التي يوجد على رأس كلّ شارع من شوارعها كمين أمني، ولا يستطيع متظاهر واحد أن يظهر في شوارعها!
لم تنجح قوات الأمن مرة في القبض على الخاطفين أو إنقاذ الرهينة، ولم تقم حتى بملاحقة ومطاردة الخاطفين قبل أو أثناء أو بعد، أو الإعلان ولو مره واحدة عن أسماء من قاموا بعملية الخطف أو القتل، ولو تلفيقاً من باب ذَر رماد في عيون ترى هذا النظام متواطئ في كلّ تفاصيل الحالة في سيناء، وَمِما يزيد المشهد تعقيداً أنّ تحدث حالات خطف كثيرة لا يتبناها تنظيم الولاية الإرهابي كما يسميه النظام، وترك المجتمع رهناً لشائعاتٍ هنا وهناك وتحليلات للواقع متباينة في ذاتها، حالة أدل ما تكون على نيّة نظام في حمل الناس على ترك المكان.
ومظهر آخر يتمثل في جعل المدينة أشبه ما تكون بمعسكر جيش، على رأس كلّ شارع كمين يتعرّض المارّون عليه للتفتيش والمضايقات، ما يجعل التجوّل في المدينة عبث يهدّد حياة من يحاول القيام به. في هذه الحالة، لا يمكن تصوّر حياة تجارية أو سهولة في طلب الرزق والتجارة وقضاء الحوائج، ويتم ضرب اقتصاد المدينة وأهلها بشكلٍ يجعل استمرار حياة الناس في غاية الصعوبة، ما يحمل من لديه بدائل على الهجرة وطلب مكان أكثر أمنا، وبه فرص أكثر سهولة. 
انتقلت أعمال تجريف الأراضي الزراعية وإخلاء التجمعات الصغيرة إلى أطراف مدينة العريش الزراعية شرقاً وجنوباً مع حملات إعلامية، وتطبيل وكأنّ الدولة اكتشفت فجأة أنّ ولاية سيناء تضع كلّ أفرادها في هذه المنطقة، وأنّها تحولت إلى ثكنة عسكرية تدير منها الولاية حربها ضد الدولة.
وهنا، وبدون تردد، تبدأ القوات في تجريف الأراضي وقصف البيوت، ويصبح الاعتراض أو أي محاولة للفهم والتبيّن مناهضة للدولة ودعماً للإرهاب، فليس أمام المواطننين إلا أن يستسلموا للحالة، وهم يَرَوْن مصدر رزقهم يدمر ولا يملكون مجرّد الاعتراض ويرحلوا ليبدأوا حياة جديدة في مكان جديد حسب إمكانياتهم المادية.
كلها رسائل تحمل معنى واحد، المطلوب إخلاء المدينة إلى أقل عدد ممكن تمهيداً لتنفيذ خطوة قادمة تكون فيها المنطقة في مهبّ الريح.

يحيى عقيل (مصر)

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا