الجزائر وفيتنام… جمعهما الاستعمار وفرقتهما التنمية

تهدف هذه المادة الصحافية إلي تفكيك الفرضية القائلة بأن “الاحتلال هو سبب تخلف العرب” عبر استخدام المنهج المقارن؛ إذ اختار معدّها دولتي فيتنام والجزائر، وعمل على مقارنة حصاد تجربتهما في حرب التحرير ومسيرة التنمية، مقدماً إجابة عن سؤال حول مدى علاقة الاحتلال بتخلف العرب؟

لماذا مقارنة فيتنام مع الجزائر؟

لأن الدولتين تعرضتا للاحتلال وقدمتا تضحيات كبيرة؛ إذ بلغت خسائر الفيتناميين خلال الحرب مع الولايات المتحدة الأميركية التي استمرت منذ عام 1965 وحتى عام 1973، قرابة مليون ومئة ألف قتيل، و3 ملايين جريح، بالإضافة إلى 13 مليون لاجئ، بالمقابل بلغت خسائر الجزائريين في حربهم ضد الاحتلال الفرنسي 1.5 مليون شهيد، خلال حربهم المستمرة في الفترة من عام 1830 وحتى عام 1962، وفق إحصاء الحكومة الجزائرية، لذلك يُعد التعرض للاحتلال الشرس قاسماً مُشتركاً بين فيتنام والجزائر، ولكن بعد جلاء المستعمر بدأت الدولتان رحلة التنمية والنهضة فى وقت متزامن وفق المعيطات التالية:

أولاً: تفوق مساحة الجزائر مثيلتها جمهورية فيتنام الاشتراكية بـ 7 مرات، إذ تبلغ مساحة فيتنام 331.690 كم²، بينما تعد الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية أكبر بلد أفريقي وعربي وتحتل المرتبة العاشرة عالمياً من حيث المساحة إذ تبلغ مساحتها 2.381.741 كم².

ثانياً: تمتلك الجزائر احتياطياً ضخماً من النفط والغاز؛ إذ تحتل المركز التاسع عالمياً من حيث عائدات النفط لدول أوبك في عام 2008 ، وتحتل المركز السابع عالمياً في إنتاج الغاز وفق إحصاء عام 2009، فى حين تأتي فيتنام في المرتبة 36 عالمياً من حيث إنتاج النفط، وفي المرتبة 45 عالمياً من حيث إنتاج الغاز، وفقاً لإحصاء صادر عن البنك الدولي.

ثالثاً: تتفوق الجزائر على فيتنام في قلة عدد السكان، مقارنة بحجم الموارد الهائل، إذ بلغ عدد سكانها 40.4 مليون نسمة وفق تقدير عام 2016، فيما بلغ عدد سكان فيتنام 95 مليون نسمة؛ وهو ما يعنى انخفاض أعباء الإنفاق على الصحة والتعليم والخدمات في الجزائر مقارنة بفيتنام، وارتفاع نصيب الفرد من ثروات الجزائر مقارنة بفيتنام.

رابعاً: سبقت الجزائر دولة فيتنام في التحرر من الاحتلال الفرنسي في عام 1962، بينما انتهى الغزو الأميركي لفيتنام في عام 1975.

يتضح تفوق الجزائر من حيث الإمكانات الاقتصادية والجغرافية على فيتنام، وفق ما سبق من معلومات وإحصائيات، وهنا لا بد من التساؤل، هل استثمرت الجزائر مقدراتها الكبيرة في إنجاز ملف التنمية؟ وهل تفوقت على فيتنام تنموياً؟ يمكن الإجابة على السؤال السابق عبر الإحصائيات العالمية الآتية:

اقــرأ أيضاً

الأبحاث المزورة.. تسقط جامعات الجزائر في ذيل التصنيف

أولاً: الاقتصاد

وفق تقارير البنك الدولي لعام 2016 تعد فيتنام الدولة رقم 49 في العالم من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، برقم 194 مليار دولار، وتأتي الجزائر متأخرة عنها بقرابة سبعة مراكز لتحتل المرتبة رقم 56 عالمياً برقم يبلغ 167 مليار دولار، كما أن فيتنام نجحت في الفترة الأخيرة في جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية؛ لتمويل أكثر من 3 آلاف مشروع، برأس مال بلغ 13 مليار دولار، ولديها 2800 مكتب لشركات أجنبية تعمل على أراضيها، وتحتل فيتنام المرتبة الثانية عالمياً كأسرع معدل نمو للفرد بمتوسط سنوي قدره 6% منذ 1990، بينما تعاني الجزائر اقتصادياً في الظرف الراهن نتيجة انخفاض أسعار النفط والغاز؛ إذ بلغت نسبه البطالة بها 9.5 % فى حين انحفضت نسبه البطالة في فيتنام لتصل إلى نسبة 2.3 %، كما يتقدم معدل النمو الاقتصادي السنوي لفيتنام على الجزائر بمقدار الضعف تقريباً إذا بلغ 6.68% بينما في الجزائر لايتخطي 3.9%، وعلى الرغم من موارد الجزائر الاقتصادية والجغرافية وانخفاض عدد السكان تتقدم فيتنام في ملف الأمن الغذائي مقارنة بالجزائر، إذ يبلغ نصيب الفرد الفيتنامي 83 كيلو كالوري للشخص يومياً بينما في الجزائر تنخفض لتصل إلى 20 كيلو كالوري يومياً بحسب إحصاء موقعWorld Country Facts.

ثانياً: التعليم

تجربة الجزائر في التعليم نتائجها متواضعة مقارنة بفيتنام، إذ جاء ترتيب الجزائر في المركز 119 من بين 140 دولة شملها مؤشر الجودة التعليمية وفق تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2015 /2016 بينما حققت فيتنام إنجازاً عالمياً مشهوداً في التعليم على مستوى محو الأمية، وبناء شبكة تعليمية فاعلة وقوية من المدارس والجامعات؛ إذ احتلت المرتبة 12 عالمياً في تقرير جودة التعليم السابق، بل إن النتائج كشفت أن ما يقرب من 17% من أفقر الطلبة في فيتنام البالغين من العمر 15 عاماً هم من ضمن الـ25% الأعلى أداءً في جميع البلدان النامية والاقتصاديات التي تشارك في اختبارات بيزا (برنامج دولي لتقييم الطلاب في الرياضيات).

وبحسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي تعتبر الجزائر بعيدة عن هدف جعل جميع الطلاب يكتسبون المهارات الأساسية في القراءة والكتابة، أما على مستوى كفاءة التعليم الجامعي الجزائري فقد أقصى تصنيف شنغهاي 2012 الجامعات الجزائرية من القائمة، إذ لا يوجد فيه أي جامعة أو معهد جزائري، بينما الجامعات الفيتنامية نجدها لا تغادر قوائم التصنيف المعتمدة، ويُضاف إلى ذلك أن التصنيف الإسباني العالمي للجامعات لعام 2011، وضع الجامعات الجزائرية في مؤخرة ترتيب الجامعات العربية، حيث احتلت جامعة الجزائر المرتبة الـ80عربياً والمرتبة الـ 6275 عالمياً.

اقــرأ أيضاً

مباريات مشبوهة..اتهامات بالتلاعب في نتائج 44 مواجهة بدوري الجزائر

عقب استعراض الحقائق التاريخية والجغرافية والاقتصادية السابقة يمكن القول:

أولاً: من الخطأ اعتبار الاحتلال مسؤولاً عن إعاقة التنمية بعد التحرر؛ إذ إن تجربة فيتنام تدحض هذا بقوة؛ وهو ما يبدو في أنه على الرغم من تعرض فيتنام للاحتلالين الفرنسي والأميركي إلا أنها بعد الاستقلال استأنفت صعودها نحو النهضة والتقدم.

ثانياً: السبب الرئيس فى إعاقة التنمية والتقدم عربياً (الجزائر نموذجاً)، يرجع إلى العوامل الداخلية الثقافية والأيديولوجية والدينية والسياسية؛ وهو ما يبدو في أن حجم المقدرات الاقتصادية والجغرافية المتاحة للجزائر لا تقارن بأي حال من الأحوال بإمكانيات فيتنام المتواضعة؛ ولكن الأخيرة نجحت في تحويل الإمكانات المتواضعة إلى ثروة اقتصادية هائلة.

ثالثاً: نقلت فيتنام معركتها مع المحتلين من ساحة الغضب المُربك إلى فضاء الإنجاز الحضاري عبر التعليم وإنتاج المعرفة؛ ما حقق لها النهضة الاقتصادية، في حين أن العرب مازالوا عالقين فى هجاء الغزاة ونكء الجراح وتقليب صفحات التاريخ.

فى الختام أعتقد أن انحياز العرب للمستقبل لا يمكن أن يتم من دون الاعتراف الصريح بأننا نحن المسؤولون عن تخلفنا وفقرنا، وعدم اعتبار الاحتلال شماعة نتنصل بها وعبرها من مسؤوليتنا الحضارية.

ياسر الغرباوي

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا