الحكومات والعبث بالنار

غالباً ما تمر الحكومات بتحديات صعبة للغاية، بل إنّها يبدو كأنّها وجدت لتصارع تلك التحديات، والملاحظ الفاحص يجد الحكومات أبداً بين خيارات أحلاها مر.
وقف سيناتور في أقوى دولة اقتصادياً في العالم يخطب بمؤيديه قائلا: “دمرت الحكومة الأميركية الطبقة الوسطى وسحقتها لصالح أغنياء وول ستريت”. يعيش هذا السيناتور في دولة من أغنى دول العالم وأقواها، وتحكمها المؤسساتية، وتسري سيادة القانون في عروقها سريان الدم في الشريان، ويسود جو عام من الرضا بين دافعي الضرائب من شعبها. إنّها أميركا التي تأتي في المرتبة السادسة عالميا ضمن جدول ترتيب نصيب الفرد من الناتج المحلي اﻹجمالي، حسب تقرير البنك الدولي في 2016.
إذا، ماذا نقول نحن أو نفعل في حال بلداننا العربية وأحوالها، وحال وأحوال حكوماتنا ومسؤولينا الذين لا يفقهون شيئا عن الاقتصاد وأعناق الزجاجات واﻷزمات الاقتصادية والمالية وعجز الموازنات سوى فرض الضرائب واللجوء دائماً وأبداً إلى جيب المواطن؟ ماذا عسانا نخطب ونقول في حشود من الجياع والمعدمين والمقهورين؟
أعلنت ألمانيا خلال موازنة 2017 عن تخصيص 20 مليار دولار لدعم اللاجئين، بينما لم نشهد تلك المعارضة ولو البسيطة لهذه القرارات، أو مظاهرات في الشوارع، على الرغم من الأزمات اﻹقتصادية التي يعاني منها اﻹتحاد اﻷوروبي، لكن لماذا؟ يعي المواطن الألماني أنّ حكومته، حتى في حالات الدفع، فإنّها تسعى إلى المصلحة الوطنية، فالحكومة الألمانية تدرك ما تفعله، لأنّ الأمر يأتي ضمن خطة دعم الاقتصاد اﻷلماني والمشاركة الفاعلة في تحريك عجلة اﻹقتصاد، فهذا اللاجىء سوف يشتري السلع والخدمات، ويشتري الطعام ويسكن ويستخدم المواصلات ويدفع الفواتير، إذا ستعود تلك الأموال مرّة أخرى للاقتصاد، ولكن هذه المرة مع القيم المضافة المترتبة على المزيد من الاستهلاك لتلك السلع والخدمات.
الحلول التي عادة ما تلجأ إليها حكوماتنا من فرض مزيد من الضرائب التي تهلك جيب المواطن، وبالتالي، تؤدي إلى انكماش اقتصادي يضرّ بالوطن واقتصاده، فزيادة الضرائب يعني الزيادة في أسعار السلع والخدمات، اﻷمر الذي يؤدي، في النهاية، إلى اﻹحجام عن اﻹستهلاك، وبالتالي، اﻹحجام عن الشراء أو في أفضل تقدير يلجأ المستهلك إلى تقنين مشترياته، نظراً إلى ارتفاع الأسعار. وهنا، ستقل إيرادات الخزينة نظراً ﻻنخفاض العوائد الضريبية بينما المرجو هو زيادتها! هذا علاوة على تدهور القيم المضافة، وبالتالي الانكماش الاقتصادي والكساد، فتجد الحكومة نفسها مجدداً في ذات المأزق فتنصاع تمام اﻹنصياع ﻹملاءات البنك الدولي من خفض الدعم على السلع اﻷساسية أو رفعه نهائياً وفرض مزيد من الضرائب واحدا من شروط اﻹقراض لسد عجز الموازنة، وهكذا دواليك، فيزيد الفقراء فقراً، فتلجأ تلك الحكومات إلى سن تلك القوانين التي تحدّ من الحريات، وتكمّم اﻷفواه وتحمي الفساد والفاسدين، فيبدأ القدر بالغليان الصامت حتى ينفجر في النهاية بوجه الطهاة الفاشلين.
ألا تستشعر حكوماتنا وأنظمتنا تلك المخاطر؟ هناك إجابتان، اﻷولى: أنّ أنظمتنا العميقة لا تقيم وزناً لا لشعوبها ولا لفقرائها ولا لجياعها أصلا، وهذا ما يفسّر أنّ القرارات السيئة، والتي تمسّ عيشة ولقمة المواطن تنزل نزولاً وتؤخذ جزافاً وهي أسهل ما تلجأ إليه تلك الحكومات ضاربة عرض الحائط الرفض الشعبي لها وحالة اﻹحتقان. الثانية: أنّ أنظمتنا العربية ما يهمها فقط هو أن تستمر في تعزيز ترسانتها اﻷمنية والعسكرية، فحكوماتنا المتعاقبة لا تعبأ أصلا لا بالصناعة ولا بالزراعة ولا باﻹستثمار ولا بالتجارة كما نستقرىء ذلك من نسبها المتواضعة في الناتج المحلي اﻹجمالي، فهي تعبأ أبداً بالجيش وشراء اﻷسلحة المعدة أصلا لقمع الشعوب واﻷمثلة باتت واضحة وضوح الشمس أمامنا، وبرواتب الضباط وزيادة ترفهم والحرص على رضاهم وولائهم للنظام، كما تعبأ بزيادة أعداد أفراد الشرطة والدرك ورجال الأمن والأجهزة اﻷمنية، فمثلا لم نستمع يوماً لتلك الأناشيد والأغاني التي تمجد المهندس أو النجار أو الطبيب أو عامل النظافة أو المعلم! بينما سئمنا تلك الأغاني التي تمجد الشرطي والجندي وبسطاره وقبعته ورائحة عرقه.. هذا توجه حكومي عام، وسياسة مرسومة طويلة الأمد لم تدع من خيار لتلك الحكومات الفاشلة التي يؤخذ بمعيار المحسوبيات والمعارف كأهم معايير اﻹختيار؛ سوى اللعب بالنار ولا شىء سوى اللعب بالنار.

بشار طافش (الأردن)

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا