الحكومة الفرنسية الجديدة… كل شيء يسير وفق إرادة ماكرون

أثبت الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، عبر توليفة الحكومة الجديدة، وقبلها عبر اختيار شخصية يمينية لرئاسة الحكومة، أن كل شيء يسير وفق أجندة خاصة يمتلك سرها، لا يحيد عنها، وتراعي توقيته وإيقاعه الخاصَّيْن. فبعد أن نجح في تخريب الحزب الاشتراكي، واستمالة الكثير من قياداته إلى جانبه، وأصبح مرشحون اشتراكيون كثيرون يجهرون بدعمهم لماكرون بعد انتخابهم، وآخرون يطلبون منه دعماً مباشراً عبر سحب مرشحي حركته “الجمهورية إلى الأمام” لتسهيل انتخابهم، وبعد أن استولى، بشكل خاطف، على الوسط، ليس فقط حزب “الموديم”، بل على معظم تيارات الوسط الأخرى، جاء الدور على الحزب اليميني القوي، “الجمهوريون”.

وكان ماكرون على وعي بأن استمالة شخصية واحدة من اليمين، حتى ولو كانت من حجم رئيس الحكومة الجديد، إدوار فيليب، غير كافية. ولعل هذا ما يفسّر تردد ألان جوبيه في الإعلان عن ابتهاجه بهذا الاختيار. ولهذا السبب تأخر الإعلان عن الحكومة الجديدة، ففيليب كان مصراً، إلى آخر دقيقة، على إدخال وزراء من اليمين في حكومته، ومنحهم حقائب وزارية هامة، وفعلاً هذا ما حصده برونو لومير وغيره. وقد نجح ماكرون، حتى الآن، في اختبارين إثنين، اختيار رئيس الحكومة والإعلان عن تشكيلة الحكومة. وهما اختباران رئيسيان، نجح من خلالهما، في أن يبعد عنه، بعض الشيء، الصفة التي لازمته لبعض الوقت، عن “يساريته” وعن “أبوة” الرئيس الفرنسي السابق، فرانسوا هولاند له. كما أظهر أنه رئيس “غير عادي”. لكن الربح الأكبر والحاسم الذي يراهن ماكرون عليه، ومعه رئيس حكومته، يجب أن يتحقق في الانتخابات التشريعية، وحينها سيقيس مدى استجابة الجمهور العريض، خصوصاً جمهور اليمين، لبرنامجه وسياساته. الحكومة الحالية مؤقتة، والوزراء الذين يترشحون في الانتخابات التشريعية ولا يفوزون سيغادرونها، وهذا تعهد لا رجعة عنه. لكنّ ماكرون، يريد من رئيس الحكومة الحالي أن يستمر، لفترة طويلة، حتى ينفّذ السياسات والوعود والإصلاحات التي طرحها المرشح إيمانويل ماكرون أمام الفرنسيين. ولكن، أيضاً، لا يمكن لرئيس الحكومة أن يستمر في عمله من دون تحقيق ماكرون لنصر انتخابي تشريعي كاسح في 11 و18 يونيو/حزيران المقبل، يضمن له أغلبية برلمانية مريحة، وينقذه من عائقين إثنين: عائق تشكيل حكومة تعايُش مع “الجمهوريون”، أو مع اليسار، وهو احتمال ضعيف جداً، وعائق تشظّي البرلمان إلى جماعات متناثرة لا تستقيم على حال.


أصر إدوار فيليب على إدخال وزراء من اليمين في حكومته ومنحهم حقائب وزارية هامة

ومن هنا تأتي المرحلة الثالثة في تفكير ماكرون، أي مرحلة سحق الأحزاب الكبرى إلى أقصى حدّ، وتقديم الدعم، المباشر وغير المباشر، إلى كل مرشح “يبايع” برنامج ماكرون ويدعم سياسات الرئيس الجديد. وإذا كان الاشتراكيون، أو ما تبقى منهم، في غالبيتهم، مستعدين للانضمام إلى حركة ماكرون، أو دعمها على الأقل، ما يجعل تيار بونوا هامون وباقي التيارات اليسارية الأخرى في وضعية بالغة الهشاشة ولا قدرة لها على التأثير، وإذا كانت جبهة اليسار في حكم الميتة، وسار جان لوك ميلانشون والحزب الشيوعي متفرقين في الانتخابات المقبلة، ما سيحرمهما الكثير من المقاعد البرلمانية، فإن العائق الأخير، يتمثل في حزب “الجمهوريون”، ولهذا فإنه يتوجب مواصلة “عملية التدمير المنهجية لليمين”.

وهنا عبقرية وماكيافيلّية ومكر ماكرون. فقد كذّب الرئيس ورئيس حملته الانتخابية كل الوعود السابقة بتعيين 577 مرشحاً في كل الدوائر الانتخابية. فما كان للرئيس الفرنسي أن يتجاهل دعوات نحو 200 من منتخبي ونواب “الجمهوريون”، والعدد في تزايد مذهل، لتلقف يده الممدودة “من أجل مصلحة فرنسا والفرنسيين”. كما أنه ما كان للرئيس أن يزيد من حَرج رئيس حكومته وأيضاً الوزراء الآتين من اليمين. بل هو يرى أن دعمهم ضروري لاستقرار الحكومة والتفاف الفرنسيين حول حكومتهم. وفي المحصلة النهائية، قرّر إيمانويل ماكرون ألا يرشح سوى 522 شخصاً في عموم فرنسا، متغيباً في 55 دائرة انتخابية، ما سيتيح فرصة لمرشحين يساريين، وأيضاً يمينيين، أن يفوزوا بسهولة. ومن بين المرشحين قيادات في “الجمهوريون”، مثل فرانك ريستر، وبونوا أبارو، وهو من مقربي ألان جوبيه، وكان ناطقاً باسمه في انتخابات اليمين والوسط الفرعية، وتيري سولير، ومارين برونيي، المقربة من القيادي اليميني، كريستيان إيستروزي، عمدة مدينة نيس القوي والمقرّب سابقاً من نيكولا ساركوزي، والذي اقترب كثيراً من ماكرون، وجوليان ديف، المقرب من القيادي كزافيي برتراند، الذي كان يتوقع أن يدخل الحكومة، ولم يتم الأمر، حتى الآن، وأيضا بابيت دي روزييو وغيرهم.


شدد ماكرون في أول اجتماع حكومي على ضرورة التخلي عن الانتماء الحزبي

وتأتي هذه القرارات مع تشديد الرئيس الفرنسي، أمس الخميس، وفي أول اجتماع حكومي، على ضرورة التخلي عن الانتماء الحزبي، في رسالة إلى أعضاء حكومته، ذات الاتجاهات والمشارب المختلفة. وهو ما يتناغم مع فكرته الرئيسة: “لست من اليسار ولا اليمين، إنما من التقدميين”. مع تذكير رئيس حكومته بضرورة الانتباه للغضب الذي عبر عنه الفرنسيون، والذي ظهر في الانتخابات الرئاسية الأخيرة. وبفضل هذه المحطات، التي ينجزها ماكرون بكثير من الدهاء، يتوقع المراقبون والسياسيون المعارضون، حتى ولو أنهم لا يجرؤون على التصريح بها، فوزاً كاسحاً في الانتخابات التشريعية لحركة ماكرون وأنصارها من الذين تروقهم صفة “التقدميين” العزيزة على قلب ماكرون. ولعل هذا ما فطنت إليه القيادية في حزب “الجبهة الوطنية” اليميني المتطرف، ماريون ماريشال لوبان، التي قالت، في آخر تصريح صحافي لها قبل اعتزالها المؤقت عن السياسة، لمجلة “فالور أكتويال”، اليمينية المتطرفة، إن “الأمور يمكن لها أن تتغير (لصالحنا)، لكن بعد عشر سنوات، من الآن” في إشارة منها إلى أن ماكرون ربما ضمن من الآن ولاية رئاسية ثانية.

اقــرأ أيضاً

فيليب رئيساً للحكومة الفرنسية: ماكرون و”الجمهوريون” بين التفجير والاحتواء

باريس ــ محمد المزديوي

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.