الدبلوماسية جزءاً من الحقل الداخلي

قد تكون الدبلوماسية امتداد الداخل في الخارج، ويبدو بديهيا أن تستمر السياسة الداخلية في الخارج، غير أنه لم يسبق أن كانت للمواقف ذات الصلة بالعلاقات مع الدول، وما له صلة بالخارجية،‮ ‬تأثير مدوٍّ‮ ‬في‮ ‬المغرب كما يحدث الآن، ولا سيما في الآونة الأخيرة المتّسمة باحتقانات ما بعد انتخابات السابع من أكتوبر/ تشرين الأول التشريعية، أو على الأقل منذ بدأت الأشياء تتحدّد على ضوء المفاوضات التالية لها‮.‬‬‬‬‬‬‬‬‬
القضية الأولى التي ما زالت لها تبعات هي ما ارتبط من تفاعلاتٍ، مع تصريحات الأمين العام لحزب الاستقلال، حميد شباط، بشأن التاريخ المغربي مع موريتانيا، فقد كان الأمين العام المثير للجدل يتحدث أمام مناضلي حزبه العتيد، عندما عرّج على التاريخ القريب لحدود المغرب، ليشير إلى أن موريتانيا كانت، إلى عهد حديث، جزءًا من المغرب.
وفي تناظر التباس الحاضر بالماضي، وبالنظر إلى نوع من الجفاء المعلن بين البلدين، سرعان ما ثارت رياح الغبار الدبلوماسي، لرفض الحنين الاستقلالي ورفض زجّه في دوامة الواقع الجديد، في الرمال المتحرّكة جنوب الصحراء.
وكان العاهل المغربي، محمد السادس، في زيارة غير مسبوقة إلى إفريقيا، وفي سلته اتفاقيات كثيرة، من قبيل أنبوب الغاز النيجيري الذي يعول عليه المغرب في قصم واسطة العقد المناوئ له في قضية الصحراء المشروعة، الحلف الذي ضم الجزائر إلى جنوب إفريقيا مرورا بنيجيريا، وهو الأنبوب الذي لا يمكن أن تكون له آفاق منتجة، بدون المرور بموريتانيا. كما أن المغرب كان بصدد الترتيب الناجح لعودته إلى الاتحاد الإفريقي، أي منظمة القارّة التي غادرها منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 1984.
تسارعت الأحداث، فكان أن أطلقت الخارجية المغربية النار على الأمين العام لحزب الاستقلال، وأرسل الملك محمد السادس رئيس الحكومة المعين، عبد الإله بنكيران، وهو الحليف الحالي للأمين العام حميد شباط إلى موريتانيا، من أجل إطفاء النار، والتعبير عن احترام المغرب الحدود المتفق عليها منذ ميلاد موريتانيا سنة 1969.

“في جدلية التوتر الدبلوماسي، ذي الظلال الداخلية، كانت لعبد الإله بنكيران حصة الأسد،‮ ‬سواء في‮ ‬ما‮ ‬يتعلق بالملف السوري‮ والزيارة الملكية إلى إفريقيا”

ومما زاد من غربة الأمين العام، خروج الفاسي الفهري، المستشار الدبلوماسي للملك، في تزامن مع انعقاد القمة الإفريقية في أديس أبابا في إثيوبيا للنظر في عودة المغرب، على شاشة التلفزيون، لكي يطلق النار على حميد شباط، ويعلن للرأي العام إن تصريحات الأخير “تم استغلالها ضد المغرب في ردهات المنظمة الإفريقية”. ولم يكن المغاربة في حاجةٍ إلى رسومٍ بيانية، ليفكّكوا شيفرة الرسالة “المأذونة” ولا شك، والتي جاءت من محيط الملك نفسه.
داخليا، تواترت الأشياء أكثر، عندما عاد إلى الواجهة الأمين العام السابق للحزب، وأحد الآباء المؤسسين امحمد بوستة، وخلفه عباس الفاسي، وثلة من كوادر الحزب المغربي الكبير ومؤسّسيه، ليندّدوا بتصريحات حميد شباط، ويعلنوا عن عجزه عن “قيادة الحزب”، مع قصور في معالجة الاستراتيجية الجديدة لعودة المغرب إلى حضنه الإفريقي المؤسساتي. 
وفي ركاب الزيارات الملكية نفسها، اشتعلت مواقع الشبكات الاجتماعية، والمواقع الإلكترونية، إضافة إلى بعض منابر الإعلام واسعة الانتشار مع جملةٍ لرئيس الحكومة الذي كلفه الملك بشكل عاجل لإطفاء ما تركته تصريحات حميد شباط مع موريتانيا، يقول فيها “إن الملك يفرّج كربات الشعوب الإفريقية، فيما نحن نهين الشعب المغربي”. ووجد رئيس الحكومة الذي رد باستصغار الصيد في الماء العكر، والذي لا يمكن اتهامه بالتطاول على عاهل البلاد، ولو من باب الخطأ! وجد نفسه، مع ذلك، في دوامةٍ جديدة، على هامش الدبلوماسية. وبما أن السياق يوجد المعنى، لم يكن مستبعداً أن يربط محللون كثيرون بين تأزيم “التعبير” في علاقة مع “أزمة” تشكيل الحكومة! 
وفي هذا التوجه، يمكن الاستدلال بأحد العارفين بالحقلين، الداخلي والخارجي، للمغرب معا، وتبادل التأثر بينهما، مارسيل ميرل الذي كتب إن توترات الدبلوماسية طريقةٌ مفيدةٌ للغاية في تثبيت التوتر، وتحوير حدّته وتوجيهها إلى خارج حدود الحقل السياسي الداخلي.
وفي جدلية التوتر الدبلوماسي، ذي الظلال الداخلية، كانت لعبد الإله بنكيران حصة الأسد،‮ ‬سواء في‮ ‬ما‮ ‬يتعلق بالملف السوري‮ والزيارة الملكية إلى إفريقيا، فقد كان قد استقبل صحافيا عربيا في حوار عن الوضع السوري، وأعلن أن روسيا مطالبة بالمساعدة على الحل، وليس تدمير سورية، وهو قول أثار الدبلوماسية الروسية، ولا سيما السفير الروسي في البلاد، الذي “عبر عن انشغال موسكو، على إثر تصريحات إعلامية منسوبة لمسؤول حكومي مغربي كبير، يتهم فيها روسيا بأنها مسؤولة عن تدمير سورية”.‬‬‬‬
كان الزمن أيضا غير مناسبٍ للأزمة، بعد أن كان الملك قد زارها، وربط شراكاتٍ استراتيجية معها، بمناسبة الزيارة الملكية لموسكو في مارس/ آذار الماضي. بعد خطاب شهير وحاد، في القمة الخليجية المغربية في الرياض، موجه إلى الحلفاء الغربيين، حدّد فيه العقيدة الدبلوماسية الجديدة للبلاد، والمبنية على تنويع الشراكات الاستراتيجية.
وفي الرد الوزاري على رئيس الحكومة، ذكّرت “الخارجية بالموقف الواضح للمغرب حيال الأزمة السورية، والذي يرتكز بالأساس على الالتزام من أجل حل سياسي، يضمن استقرار سورية، ويحافظ على وحدتها الوطنية والترابية، والانشغال بالمآسي الإنسانية الخطيرة التي خلفتها الأزمة السورية. من أهم ما ورد في الرد هو تحديد الحدود بين المؤسسات بالقول إن المملكة المغربية، باعتبارها دولة مسؤولة، وذات مصداقية على الساحة الدولية، تحدّد مواقفها الدبلوماسية الرسمية على ضوء القيم والمبادئ والمصالح التي تحكم سياستها الخارجية”. و”لا يمكن لهذه المواقف، بالنظر لتعقدها وخطورتها، أن تكون محط ارتجال، أو أن تعبر عن وجهات نظر شخصية…”.
قد يبدو مفارقا أن وزير الخارجية “ينبه” رئيسه في قضية الدبلوماسية. لكن، في الجانب الآخر من العملة، كانت المناسبة ضرورةً لتحديد مناطق التدخل الرئاسي والتدخل الملكي، من زاوية ما صار يعرف في المغرب بقانون “ما للملك وما لبن كيران”، أي مناطق التنفيذ ومناطق “التسييد” الدستوري الذي تم التوافق عليه، في إجماع وطني غير مسبوق في دساتير المملكة. ومن ذلك أيضا أن جزءاً من المسكوت عنه يكمن في أن الرئيس تحدث في “مجال محفوظ”. 
وإذا كان يبدو لدى الملاحظ الأجنبي أن من مفارقات الوضع أن ينتقد وزير الخارجية رئيسه

“يلاحظ أن الذي يسبب أزمة مع روسيا هو الذي يُنتدب ويكلف بمهمة نزع الفتيل مع الأشقاء الموريتانيين”

السياسي، فإنه عمليا يضمر القول إن وزير الخارجية، حسب الهندسة الدستورية الجديدة منذ 2011، لا يمثل رئيس الحكومة، وأنهما معا ينضبطان لدستورٍ يحدّد مسؤولية الشأن الدبلوماسي. وفي هذا الإطار، يعود الحديث، في كل مستحدث دبلوماسي، إلى الفصل 55 من الدستور المغربي. وقد مضى زمن طويل في المغرب، يعود إلى الستينيات والسبعينيات، كانت فيه القضايا الخارجية محدّدا أساساً في القضايا الداخلية وعلاقة الدولة والأحزاب فيما بينهما.
قد تتواتر في المستقبل قضايا من هذا النوع. لكن من المؤكد أن عقيدة الدبلوماسية تأسست بما يجعل المغرب يبني علاقته على مرتكز “علاقة دولة لدولة”، وقلما عصفت بها، في مرحلة من المراحل، علاقة “دولة بحزب” أو “حزب بدولة” (حادثة حزب اليمين الإسباني الحاكم “الحزب الشعبي”، بقيادة العنصري خوسيه ماريا أزنار مثلا، والتي أخرجت مسيرة مغربية مليونية للاحتجاج).
ويلاحظ أن الذي يسبب أزمة مع روسيا هو الذي يُنتدب ويكلف بمهمة نزع الفتيل مع الأشقاء الموريتانيين، ما يعني أن المؤسسات عندما تتفاهم بينها، وعلى أساس احترام الصلاحيات، يمكنها أن تتعاون في الحل. والواضح أنه كان أمام أزمة منسوبة لحليفه الأول في الاستعصاء الحسابي لتشكيل الأغلبية، وبذلك يكون جزءاً من الأزمة، كما يكون جزءاً من الحل. ويمكن هنا الاستدلال بما كتبه أستاذ العلاقات الدولية، مارسيل ميرل، إن “الحجة الخارجية لا تستعمل، إلا من أجل الوصول، بشكل غير مباشر، إلى أهدافٍ ذات علاقة بالسياسة الداخلية”.

عبد الحميد اجماهيري

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا