السلفية الجهادية.. فشل المنهج

كما كان متوقعا دقت ساعة تصفية تنظيم الدولة الإسلامية. ومن المتوقع أن تُسحب منه بالقوة جميع الأراضي التي كانت تحت سيطرته في العراق وسورية وليبيا، وذلك قبل نهاية السنة الجارية. أصبح الجميع مضطرا للمشاركة، بشكل مباشر وفعال، في عملية التصفية والاستئصال. لم يعد مسموحا لأي دولةٍ أن تمارس التقية، أو أن تناور في هذا المجال. انتهت مرحلة التسيب أو تعميق التناقضات بين مختلف المجموعات “الجهادية” وضرب بعضها ببعض، أو العمل على تقويتها من أجل إضعاف خصمٍ ما وترويضه. قاربت اللعبة القديمة على النهاية، في انتظار وضع قواعد جديدة لسياسات بديلة. 
لم يعد اليوم مستساغا التمييز بين تنظيمي داعش والقاعدة، على الرغم من الصراع الدموي الذي لا يزال قائما بينهما. إنه تناقضٌ على مستوى التكتيك، ولا علاقة له بالمشروع السياسي، أو بالمنظور العقائدي. يختلفان بشأن مساحة التكفير وأولويات القتال وترتيب الأعداء، لكنهما، في المقابل، يتفقان بشأن العناصر الرئيسية للمشروع المشترك، تكفير الأنظمة، واستعمال مختلف وسائل القتال، من أجل إقامة دولة ثم خلافة. جميعهم لا يؤمن بالحريات، ولا يقر بإمكانية التعايش مع الغرب، ولا مع بقية القوى الدولية، مثل الصين وروسيا وغيرهما. فالحرب عندهما استراتيجية مستمرة، وموجهة ضد الجميع، لكنهما يختلفان في توقيت إعلان الحرب على هذا الطرف أو ذاك. 
في لحظات التراجع والانحسار، لا مفر من توقع كل الاحتمالات. سينشط أسلوب الذئاب المنفردة، إذ ستتوالى العمليات الانتحارية، أو دهس المدنيين في الشوارع انتقاما من سياسات بلدانهم. 
في هذا السياق، كشفت الأحداث أن من يتولون قيادة هذه المجموعات لا يأخذون في خططهم مصالح الأطراف الأخرى بالاعتبار. ولهذا السبب، لا يهمها أن توجه ضرباتها نحو الجميع، ظنا منها أنها ستكون قادرةً على إلحاق الهزيمة العسكرية بهم، معتمدة في ذلك على شبابٍ مستعد لتنفيذ أكثر الأوامر غرابةً وحمقاً. وما يُخشى حاليا أن تتجدّد محاولات القيام بعملياتٍ قتاليةٍ داخل فلسطين، وتحديدا في غزة. إذ بذلك يبعدون شبهة إهمالهم القضية المركزية التي سقطت من برامجهم واهتماماتهم، واستبدلوها بأهدافٍ وأولوياتٍ أخرى، زادت من إضعاف الجسم العربي وتقسيمه. 
اليوم قد يفكرون في اقتحام هذه الدائرة المغلقة، بهدف خلط الأوراق، وإرباك فصائل المقاومة وجرّها نحو التورط في مغامرات غير محسوبة النتائج. 
ما يجب أن يدركه شباب “السلفية الجهادية” أن رهانهم على تغيير الأوضاع بالقوة المسلحة فشل، وما يحصل الآن ليس سوى نتيجة حتمية لهذه الاستراتيجية التي دعا إليها منظّروهم وقادتهم. وعندما يثبت فشل اختيارٍ ما، يُفترض أن يلجأ أصحابه وأنصاره إلى النقد الذاتي، والتوقف النهائي عن الاستمرار في الطريق الخاطئ والمسدود نفسه. لم تفشل الخطة فقط وإنما فشل المنهج؛ إذ بدل أن يحقق هذا المنهج الأهداف التي وُضع من أجلها أفضى إلى نتائج معكوسة. 
إذ بدل أن ينقذ سنة العراق من تغوّل الأحزاب الشيعية، زاد من حجم الأزمة، وتسبب في تقسيم مدينة الموصل الاستراتيجية. وبدل أن يُضعف من الوجود الإيراني كما زعم، وفّر المناخ الملازم لتوسيع دائرة هذا النفوذ. وبدل أن يحرّر الشام من حزب البعث، عمّق الانقسام في صفوف المعارضة السورية، وأعطى فرصةً لنظام الأسد لضمان الاستمرار والبقاء. وبدل أن تتسع رقعة الديمقراطية في العالم العربي على إثر الثورة التونسية، لعب التيار الجهادي دورا رئيسيا في تحويل المشهد إلى مجازر وحروب داخلية مفتوحة على مستقبل مجهول. وبدل أن يتطور الخطاب الحركي الإسلامي نحو مزيدٍ من الرشد والعقلانية واستيعاب قيم الحداثة، وجد أصحاب هذا الخطاب أنفسهم في أوضاعٍ سريالية غير مسبوقة، أعادتهم إلى الخلف عشرات السنين. 
أمام هذا الحصاد المر، ألا يمكن أن ترتفع أصواتٌ من داخل هذا الركام، وتعلن بقوة وصدق: كفى دماءً.. كفى انتحاراً.

صلاح الدين الجورشي

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا