السويداء أمام خيارين

يتسارع، في هذه الفترة، إعلان تشكيل ما تسمى البيارق في محافظة السويداء، ذات الأغلبية الدرزية، في الجنوب السوري. ويعود نظام البيارق إلى أيام الثورة السورية الكبرى عام 1925 وما قبلها، حيث تختص كل قرية بقطعة قماش تشبه العَلَم، لها تصميم مختلف عن تصميم بيارق بقية القرى، وتُكنى بأسماء تحمل رموزاً دينية أو وطنية، وتوضع أمانة عند شخص يُعرف بشجاعته وبطولاته. وعندما تقرع طبول الحرب، تُخرج البيارق ليتجمع حولها شبان القرية أو العائلة الكبيرة بأسلحتهم الخفيفة، فيشكلوا فصيلاً مسلحاً جاهزاً للقتال.
استطاعت، خلال السنوات القليلة الماضية، حركة رجال الكرامة التي أسّسها الشيخ أبو فهد وحيد البلعوس، وكان لها مواقف ضد النظام السوري، تشكيل البيارق، ويقصد هنا الفصائل، استطاعت تحقيق إنجازات على الأرض، أبرزها منع سحب شباب السويداء للخدمة في صفوف النظام، وكذلك منع نقل الأسلحة الثقيلة التابعة للنظام خارج أراضي محافظة السويداء. وأخيرا، بدأت حركة رجال الكرامة بالتراجع تدريجياً، بعد اغتيال الشيخ البلعوس وقادة من الحركة في تفجير اتجهت أصابع الاتهام فيه للنظام السوري. وعلى أثر الاغتيال، تم تعيين الشيخ رأفت البلعوس خلفاً لأخيه في قيادة الحركة، لكن الشيخ رأفت الذي تعرّض لإصابة نتيجة التفجير لم يكن كما سلفه. وخلال فترة ترؤسه للحركة لم تسجل تحرّكات تذكر، باستثناء قضايا متعلقة بالاختطاف، فتم تعيين الشيخ أبو حسن يحيى الحجار على رأس الحركة، والذي سارع إلى إعلان تشكيل مزيد من الفصائل، لمهمة حماية المنطقة أو القرية التي تتشكل فيها، وتم الإسراع في عمليات التشكيل، نتيجة تطورات الظروف السياسية والعسكرية الملحة، حيث يشكل الريفان، الشمالي والشرقي، لمحافظة السويداء امتداداً لطموحات إيران في التوسع والوصول إلى البحر المتوسط. وبناء عليه، تم تدخل الولايات المتحدة بشكل مباشر، ومن خلال غرفة العمليات المشتركة (الموك) في الأردن لإيقاف الحلم الإيراني. وجاء أيضاً التقارب الأميركي الروسي في حل المشكلة السورية، من خلال مناطق التهدئة، وخصوصا في الجنوب السوري (درعا والقنيطرة). كما جاء إنهاء وجود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الريف الشرقي لمحافظة السويداء، تمهيداً للانسحاب المباشر للنظام من المحافظة، وجعلها تحت رحمة الحكم الذاتي، مع إبقاء النظام بشكل غير مباشر، من خلال مجموعات تدين له بالولاء، في مقدمتها مليشيا الدفاع الوطني وكتائب البعث، ما يعني وضع السويداء أمام خيارين لا جيد فيهما: 
الأول: بقاء السويداء تحت رحمة كتائب البعث والدفاع الوطني، المليشيات التي ساهمت بشكل كبير في الفلتان الأمني الذي تعيشه المحافظة منذ سنوات، مثل زيادات حالات الاختطاف التي يقف وراءها عدد من أبناء المحافظة المحسوبين على هذه المليشيات، وكذلك عمليات التهريب والتشليح والسرقة، وهو ما سيحول المحافظة إلى منطقة غير آمنة، وموبوءة أخلاقياً.
الثاني: تقاسم حركة الكرامة السلطة في المحافظة مع تلك المليشيات، والتي ستؤدي، بطبيعة الحال، إلى اصطدامات بين الطرفين، نتيجة تناقض الأهداف والمبادئ بينهما، فحركة الكرامة قائمة على العادات الجبلية الأصيلة، في الحفاظ على الأرض والعرض والدين، وهو ما يأخذ، بشكل أو بآخر طابعاً دينيا ملتزماً في مقابل لا مبالاة وبحث عن المال والسرقة والتعفيش والفساد من المليشيات التابعة للنظام.
أمام محافظة السويداء تحدٍ كبير في الفترة المقبلة، وستذهب الأمور إلى التصعيد والتصادم، وقد يقع ضحايا من الطرفين، نتيجة تنازع السلطات واختلاف التوجهات، وسيكون مرهوناً بما سيقدمه النظام من دعم لمليشياته بمقابل زيادة الدعم من دروز فلسطين ولبنان ومغتربي المحافظة لحركة الكرامة، ما سيجعل الدروز أمام مفترق طرق حقيقي، وقد نجد أنفسنا أمام اقتتال داخلي بين أفراد جماعةٍ لم يسجل التاريخ سابقة له.

نورس عزيز

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا