العثور على ملك إسرائيل في إدلب

كان يتسكع في معرة النعمان هارباً من الثانوية عندما وجد نفسه أمام متحفها، دخل المتحف ليضيع بعض الوقت، ولكن لوحات الفسيفساء التي يشتهر بها المتحف شدته وغيرت حياته! أخذ يهرب من المدرسة يومياً ليذهب إلى المتحف، ويوماً بعد آخر تفحّص آلاف الأمتار المربعة من الفسيفساء الأثرية المرمية بإهمال في كل مكان.

بعد ذلك راح يزور مكتبة المركز الثقافي وقرأ كل ما يمت بصلة لتاريخ المنطقة، وكل ما وجده أمامه من كتابات عن الدفائن والكنوز والإشارات والعلامات الدالة عليها.

ثم قرر التوقف عن الذهاب إلى الثانوية التي لن تطعمه شهادتها الخبز، فانتماء عمه إلى الإخوان المسلمين في الثمانينيات لن يتيح له أية فرصة بالحصول على وظيفة، ولأنه لا يرغب أن يقرأ التاريخ فقط، قرر صناعته!

ولصناعة التاريخ ذهب إلى منشرة الحجارة واشترى كل ما أمكنه العثور عليه من رخام بألوان مختلفة، ثم ذهب إلى جاره الحداد وصنع معه جبّالة باطون يدوية صغيرة، ثم اشترى قطّاعة حديدية لقص الرخام!


اصطاد سائحاً أجنبياً كان يتجول في الموقع الأثري، وأقنعه بقدرته على إخراج الآثار إن هو أخرج دولاراته، وتمّ الاتفاق

قطّع الرخام إلى قطع صغيرة، وضعها في جبالة الباطون وبدأ بتدويرها، دوّرها ساعات وساعات، ثم أخرجها وقد تآكلت من شدة الاحتكاك ببعضها، وبإتقان رصفها بجانب بعضها على قطعة قماشية وثبتها بغراء لاصق مكوناً لوحة فسيفسائية صغيرة رومانية الملامح. حملها ووضعها تحت صنبور ماء، راح ينقط عليها دون توقف لأيام عديدة، فغدا منظرها وكأنما أكل عليها الدهر وشرب.

بعد ذلك دفنها في واحدة من القرى المنسية الأثرية في جبل الزاوية، وسرعان ما اصطاد سائحاً أجنبياً كان يتجول في الموقع الأثري، وأقنعه بقدرته على إخراج الآثار إن هو أخرج دولاراته، وتمّ الاتفاق.

بدأ يبحث أمامه عن العلامات، ويقيس الخطوات والأشبار والأصابع، ثم ركز فأسه وقال له: هنا! وبدأ الحفر، وكم كان السائح مذهولاً وهو يشاهد لوحة فسيفسائية بديعة تظهر في قعر الحفرة، دفع الدولارات بسخاء، وحمل اللوحة وانصرف وكأنما يحمل الشرق كله.

هكذا بات محمود صانعاً للتاريخ! ازدهر عمله، واللوحة غدت لوحات، والسائح الأول جر عدداً آخر من الزبائن، بعضهم كان يطلب أكثر من لوحة، وسرعان ما وظّف محمود عاملاً مهمته تدوير الجبّالة، وآخر مهمته تقطيع الرخام.

ولكن الطمع أفسد كل شيء!

لم تُشبع اللوحات الصغيرة فضول محمود، فقرر أن يقوم بعمل أكبر من كل ما سبق، ضربة العمر، ولأجل ذلك غاب أياماً عديدة في المركز الثقافي، قرأ عن اليهود، واللغة العبرية، وبحث في الإنترنت، ثم عاد وقد اكتمل المخطط في رأسه!

اشترى حجراً كلسياً ضخماً، ونحته على شكل ناووس حجري حفر عليه كتابات وأشكالاً عبرية، ثم نبش قبر جد جده، محمود الأكبر، الذي خوزقه العثمانيون بعد أن احتال على الوالي، ووضع بقايا رفاته في الناووس الحجري، وأقفل الناووس بإحكام، وبدأ بعملية التعتيق، العملية التي غدا أمهر من يقوم بها، وخلال أشهر قليلة كان الناووس جاهزاً. دفنه في إحدى القرى المنسية، وأرسل صوراً لعملية إخراجه من باطن الأرض لأحد زبائنه المواظبين.

انتشرت الصور كالنار في الهشيم، وبات الجميع يتحدث عن العثور على ناووس حجري يضم رفات ملك من ملوك إسرائيل في إدلب!

راسله رجال ادّعوا أنهم من متاحف عالمية، وأصحاب مجموعات أثرية، وتجار معروفون… مئات آلاف الدولارات عُرضت عليه/ وكادت الصفقة أن تتم لولا ما حدث في صبيحة ذلك اليوم!

رتل من السيارات السوداء طوّق قريته، تم اعتقاله، ثم رفع الناووس الحجري ووضع على سيارة شحن صغيرة مرافقة للرتل. في مركز الناحية وقف محمود مقيداً بين يدي ضابط المخابرات قائد الحملة التي جاءت من دمشق لتلقي القبض عليه.

فالأمر وصل إلى أعلى المستويات الأمنية، فظهور واحد من ملوك إسرائيل في إدلب هو تصعيد خطير ضد محور المقاومة، ومرحلة متقدمة من مراحل المؤامرة على الوطن!

في مقر الناحية، تفحّص خبراء مديرية الآثار والمتاحف المرافقون للحملة الناووس الحجري، وبعد طول نظر بعدساتهم المقربة أكدوا أن الناووس حقيقي! جنّ جنون الضابط، وأقسم أن يمسحه وقريته من الوجود، فهم أصلا إخونجيون خونة، ومن الطبيعي أن تكون لهم صلات مشبوهة مع ملوك إسرائيل!


أقسم محمود أنه هو من صنع الناووس، ولكن الخبراء كانوا في كل مرة يؤكدون أنه كاذب، وأن الناووس أثري تماماً ويعود لألفي عام على الأقل

أقسم محمود أنه هو من صنع الناووس، ولكن الخبراء كانوا في كل مرة يؤكدون أنه كاذب، وأن الناووس أثري تماماً ويعود لألفي عام على الأقل! وأوصوا الضابط بعدم فتح الناووس إلا في مختبر خاص، لأنه قد يحتوي على أبخرة وغازات سامة بعد مرور كل هذا الوقت عليه.

جُنّ جنون محمود، فاستل عتلة حديدة كانت بجانب الناووس وهجم عليه وفتحه، هرب الجميع من الغرفة لاحقين بالخبراء، وبعد قليل عاد الضابط، ليرى محموداً يبكي وهو يؤكد أن هذا الرفات هو لجده محمود الأكبر الذي خوزقه العثمانيون! أقسم الضابط بشرف سيادة الرئيس أن يجعل مصيره مشابهاً لمصير جده!

حُمِل الناووس إلى ساحة مديرية الناحية، وهناك سحقه عناصر الشرطة بمطارق حديدية كبيرة إلى قطع صغيرة، ليختفي معها ملك إسرائيل إلى غير عودة، وعاد الرتل أدراجه بعدما أكد الضابط للخبراء أن حمارة جدته تفهم أكثر منهم.

اختفى محمود مع الرتل، ولم يره أحد منذ ذلك اليوم، بعضهم ذكر أنه شوهد في فرع فلسطين، وبعد بداية الثورة، ومع العفو الذي أُطلق بموجه سراح عدد من المعتقلين خرج محمود! كان في فرع فلسطين فعلاً، بتهمة تشكيل خطر على الدولة، ومحور الممانعة كاملاً من طهران إلى بيروت! ارتاح محمود بضعة أشهر ثم عاد إلى عمله؛ صناعة التاريخ!

اليوم، يمتلك محمود ورشة من سبعة شباب، يصنعون لوحات فسيفسائية ضخمة، وتماثيل من مختلف الحضارات: آرامية، تدمرية، أوغاريتية، ورقيمات أثرية من إيبلا وماري، وعملات رومانية وإسلامية/ ومخطوطات لأناجيل مذهّبة، تتهافت المتاحف العالمية وأصحاب المجموعات الأثرية الخاصة وتجّار الآثار على شرائها.

بعدما قص عليّ حكايته طلبتُ منه لوحة فسيفسائية صغيرة لأضعها في مكتبتي، فاعتذر مؤكداً أنه مشغول جداً، ولا وقت لديه ليحك رأسه قبل 6 أشهر على الأقل، حيث سينتهي من صناعة مدفن ملكي تدمري سيبيعه لأحد المتاحف الأوروبية!

محمد السلوم

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا