العولمة والمنهج التعليمي

تحمل ظاهرة العولمة تحدّياً قوياً لتخترق المجتمعات، مهمشة الحواجز الجغرافية والتاريخية والثقافية، ساعية إلى صهر العالم في بوتقة واحدة؛ فكرية وثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية، بتوظيف وسائل الاتصال والإعلام والشبكة المعلوماتية والتقدّم التكنولوجي والترويج المعرفي للنظام الرأسمالي، تمهيداً لتقبل فكرة الانخراط في حركة الرأسمالية وسيرورتها، كما يريدها الغرب. 
وبذلك، تقطع العولمة وصل الأجيال الحديثة بتراثها وجذور حضارتها وتضعف ثقافتها الوطنية، خصوصا أنّ الدور العلمي للعولمة يتناول المشتركات في الحضارة العلمية، ولا يهتم بخصوصيات الوطن والمجتمع، فثقافة العولمة قائمة على الغزو والفرض والضغط، ما قد يؤدي إلى كارثةٍ إنسانية، بفعل الهيمنة التي تقوم بها الطفرة الأميركية لتوحيد الثقافات في قالب واحد. 
وواقع الأمر أنه لا يمكننا تجاوز حركة التاريخ العولمية، أو محاربة شبكة المعلومات، فكيف نواجه التطورات المصاحبة للتحوّل نحو العولمة من دون أن نهمّش أنفسنا؟ 
يمكن الانطلاق من التربية، بصفتها متغيراً تابعاً للتحوّل المجتمعي، أو محرّكاً أوليّاً لهذا التحوّل، بحكم دورها وطبيعتها، فالمتغيرات الحادّة التي ينطوي عليها عصر العولمة ستُحدث هزاتٍ عنيفة في منظومة التربية وفلسفتها ودورها ومؤسساتها ومناهجها وأساليبها، فالنظام التربوي التعليمي مفتوح يتأثر بمجمل التغيرات العالمية في عالم السياسة والاقتصاد والتطور التكنولوجي والحضاري…، وينعكس هذا التأثير على جميع عناصر النظام من مدخلات وعمليات ومخرجات، ولعل تجارب الأمم الأكثر تقدماً، كاليابان والصين، تمثل دافعاً أساسياً في جعل الأمم والمجتمعات الأخرى تحذو حذوها في اعتمادها على التوسّع في عمليتي التعليم والتعلّم، وتحسينه كمّاً وكيفاً، لإيمانها بدور التربية، بمختلف إجراءاتها ووسائطها، كأحد مصادر القوة الأساسية والتنمية المستمرة للفرد والمجتمع، فكلما نمت قدرات الفرد وإمكاناته، تقدّمت المجتمعات. ولذلك، يكمن تطوير العملية التربوية في جعل النظام التعليمي متكيفاً مع متطلبات العصر، وخصوصا أنّ التعليم التقليدي اليوم لم يعد المصدرَ الوحيدَ للعلم والمعرفة، كما لم يعد المعلم ناقلاً لها فقط، فهناك مصادر متعدّدة للأدوات المعرفية، علينا أن نتهيأ ونهيّئ لها.

“اللحظة التاريخية ومتطلبات العولمة تحتّم علينا تكييف المنهج التعليمي وفق متطلبات هذا العصر”

ومواجهة العولمة لا تعني تبني النهج الكلاسيكي الذي نراه شاخصاً بقوّة في مناهجنا، ويحمل نزعةً ماضويةً لا تتماشى مع الاحتياجات الفردية والمجتمعية والتحديات الحالية، وامتداداتها المستقبلية، ولا تبرح مكانها نحو البعث والإحياء، كما لسنا مع تبنّي المنهج الغربي، بكل مكوناته وإسقاطاته، على الإحداثيات المحلية، بقصد اللحاق بالحضارة العالمية، ما يعزّز حالة اغتراب وعزلة. 
تقوم مواجهة العولمة في المنهج التعليمي على تنشيط عناصر الوعي بالهوية الثقافية في النسيج المجتمعي، واستيعاب العولمة من خلال التفاعل والاحتكاك بين الثقافة المحلية والثقافات الأخرى، أخذاً وعطاءً مع الاحتفاظ بالطابع الإيديولوجي، والاعتراف بالتعدّد والتنوّع الثقافي، من دون انصهار ثقافةٍ في أخرى. 
تكوين الإنسان الكلي يجب أن يكون من أولويات المنهج التعليمي، من خلال إنضاج قدرات المتعلم واستعداداته الجسمية والنفسية والاجتماعية والعقلية، وإعطاء تنمية التفكير أولويةً كبيرةً، لأنه مفتاح التعامل العلمي مع الحياة، وما تزخر به الحضارة من منجزات علمية وتكنولوجية. ومواجهة العولمة تقتضي التوظيف الفعّال لمصادر المعرفة، إذ لم تعد العملية التربوية تهدف، في ظل العولمة، إلى حفظ المعلومات وتذكّرها، ولكن العملية التعليمية — التعلّمية تدور حول مهارات المعرفة العلمية في طرائق التدريس وإيصال المعلومة إلى الطالب، وانفعاله بها وفهمه وتساؤلاته، والبحث في شبكات الإنترنت، وتوظيف العمليات العقلية، وتطوير مهارات التفكير المعرفي من تصنيف وتبويب وتركيب وتحليل واستقراء واستنتاج ونقد وتفسير وغيرها، وإبداع أشكال جديدة من التعليم، كالتعليم الإلكتروني، والتعلم عن بعد والتعلم الافتراضي…، وبذلك، يخرّج المنهج التعليمي أفراداً قادرين على التعلّم والتفكير والعمل بكفاءة عالية، ومواجهة المواقف المختلفة، والتصرّف باستقلالية ومسؤولية، بعيداً عن التبعية، والتعايش والتفاهم والحوار مع الآخرين، في ظل تعدّدية وتنوع. 
ويمكن القول إن اللحظة التاريخية ومتطلبات العولمة تحتّم علينا تكييف المنهج التعليمي وفق متطلبات هذا العصر، مع التخطيط المسبق لتكوين فردٍ متطور، مهنته إقامة مجتمع متطور، آخذين بالاعتبار الاستثمار المعرفي وتوظيف القدرات العقلية والانخراط الواعي في العلم والتكنولوجيا وأجهزة الإعلام، مستثمرين إمكانات العولمة نفسها، لتعليم الأفراد كيف يعلّمون أنفسهم، وكيف يفكرون، فتتشكّل لديهم قوة دافعة لمواجهة الضغوط والتغيرات اللاحقة في شتى المجالات، ويصبحون قادرين على إعادة إنتاج المعرفة، فتتسع الفرص أمامهم، ويجدون لهم مكاناً في القرن الجديد.

دارين سمو

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا