المشرق العربي في زمنَين

رغم المحاذير المحيطة بما أنجزه المستشرقون حول البلاد العربية، سواء كان ذلك كتاباتٍ أو أعمالاً فنية، فإن العودةَ إليها تبدو ضروريةٍ للاطلاع على كثيرٍ من تفاصيل الحياة اليومية في المنطقة.

ضمن لقائها التاسع والعشرين، تُقيم “مؤسّسة التراث المشرقي” في لندن، مساء غدٍ الثلاثاء، ندوةً يُشارك فيها كلٌّ من أستاذ الدراسات الإسلامية البريطاني رافائيل كورماك، الذي يتحدّث عن “القاهرة متعدّدة الثقافات بين الحربَين”، والكاتب البريطاني روبرت إيروين الذي يتحدّث عن “الرحّالة الغربيّين في بلاد المماليك”.

في ورقته، يُناقش كورماك مرحلةً عاشتها القاهرة بين 1920 و1930، حيث كانت تُعدّ المكان الأكثر جذباً للأجانب حينها؛ ففي منطقة الأزبكية، وسط المدينة، اجتمعت ثقافات وأديان عدّة: المصريون والسوريون والسودانيون والأميركيون والأفارقة والأرمن والروس والبريطانيون، وهو ما يُبدي الباحث انبهاره به، رغم أن البلاد العربية شهدت هذا التنوُّع على مدار قرون مضت.

يعتبِر كورماك أن القاهرة عاشت في تلك الفترة “عصر الترفيه الاجتماعي وأكثر لحظاتها انفتاحاً”؛ حيثُ اكتظّت بالمسارح والمقاهي والحانات والنوادي الليلية، وزارها العديد من الممثّلين والمغنّين والراقصين من جميع أنحاء العالم.

يعمل رافائيل كورماك على كتابٍ بعنوان “شهداء العاطفة” يُنتظَر صدوره عام 2020، وفيه يُضيء على ملامح تلك الفترة، خصوصاً ما يتعلّق بحضور المرأة في الفن والثقافة والمجتمع؛ حيثُ يستعيد قصص نساء من الريف المصري برزن في عالم المسرح والغناء. كما يعود إلى أرشيف الصحافة والدراسات التي تحدّثت عن فنّانين أميركيّين أقاموا في القاهرة، وفرق أوروبية نشطت فيها بين الحربَين العالميّتَين.

أمّا روبرت إيروين، فيعود في مداخلته إلى المراجع التاريخية العربية حول الحكم المملوكي في الشام ومصر ومناطق أخرى بين القرنَين الثالث عشر والسادس عشر، ليُضيء على تناوُل المؤرّخِين العرب للأحداث الاجتماعية حينها، ويتناول، أيضاً، تواجدَ الرحّالة والفنّانين الأوروبيين في المنطقة؛ مثل الإيطاليَّين برتراندو مينانييللي وإيمانويل بيلوتي، كما يُعرّج على مدينة القدس التي كانت تحتشد بالحجّاج الغربيّين خلال الربيع والصيف من كلّ عام.

ويعرض إيروين أبرز اللوحات التي رسم فيها فنّانون غربيّون مظاهر الحياة الاجتماعية في القاهرة والإسكندرية والقدس ودمشق، موضّحاً كيف كانوا ينظرون إلى الشرق باعتباره الحلم والمشتهَى، كما يُورِد شهادات لعدد من الحجّاج والتجّار والرحّالة الأوروبيّين، إضافةً إلى الجواسيس الذين “كانوا يستنفرون إلى الدولة المملوكية بطريقة غريبة ومثيرة للاهتمام”.

وبالنسبة إلى مؤلّفات الكتّاب العرب التي تناولوا فيها الحياة اليومية في بلادهم، يشير المحاضر إلى غياب كثيرٍ من التفاصيل عنها؛ مثل أوضاع المرأة وأشكال البناء ونداءات الباعة. لكنه يعقب بأن تلك التفاصيل لا تلفت سوى الزائر من خارج المنطقة العربية.

اقــرأ أيضاً

العربية والإيطالية ودانتي

لندن — ساندرا كرم

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا