النجاح في هدوء.. إريكسن من أياكس إلى نجومية البريميرليغ

“إذا امتلكت أموالا كثيرة، من الصعب أن تجد وقتاً للبحث عن مواهب جديدة”، قاعدة شهيرة في سوق الكشافين بملاعب أوروبا والعالم، فالميزانية الصغيرة هي ما يجبرك على السعي وراء اكتشاف أسماء مميزة. ومع التأكيد على قوة الوضع المالي لتوتنهام الإنكليزي، إلا أنه نجح في تحقيق المعادلة الصعبة، بجلب لاعبين من دوريات أخرى من دون ضجيج إعلامي وجماهيري، كما فعلوا مع كريستيان إريكسن، الموهوب الحاسم القادم من أياكس أمستردام.

هناك منافسة مشتعلة في شمال لندن بين أرسنال وتوتنهام، لكن مع فارق شاسع لصالح السبيرز، فأوزيل وسانشيز يحصلان على رواتب سنوية خيالية، ويضعان شروطا تعجيزية من أجل التجديد، بينما ضمن توتنهام بقاء إريكسن لسنوات قادمة مع راتب أقل ومزايا هادئة، هنا الفرق الحقيقي بين الناديين، في استغلال الموهبة والاستفادة منها في حدود العقل والمضمون.

قصة الانتقال
بعد أن وصل ويليان إلى توتنهام من أجل التعاقد الرسمي، وفي الثواني الأخيرة قبل إتمام الصفقة، قام تشلسي بعرقلة العملية وخطف البرازيلي في اللحظات الأخيرة إلى ستامفورد بريدج. أراد مديرو النادي الأزرق التعاقد مع لاعب جديد تحسباً لرحيل ماتا المحتمل في تلك الفترة، ليضع السبيرز كامل تركيزهم على اسم آخر، إنه الدنماركي الشاب كريستيان إريكسن، موهبة أياكس وأحد نجوم الدوري الهولندي خلال الألفية الجديدة.

تحدث فرانك دي بوير مدرب أياكس وقتها عن إريكسن واصفا إياه بالمايسترو الصغير، لأنه خيار أكثر من رائع لأي ناد يريد لاعب وسط مهارياً ومجتهداً وقوياً، وبالطبع يقدر على شغل كافة الوظائف في كل مراكز الوسط. لعب الدنماركي لفترة طويلة مع أياكس كارتكاز مساند وصانع لعب من الخلف على طريقة “الديب لاينغ”، أي اللاعب الذي يتحرك في المركز 6 في المنتصف، يربط الدفاع بالهجوم، ويكون همزة الوصل بين الارتكاز الأول وزميله المتقدم بالثلث الهجومي الأخير.

أدى اللاعب أيضا دورا إضافيا مع منتخب بلاده وفريقه الهولندي، كلاعب وسط هجومي في المركز رقم 10، خلف المهاجم مباشرة وأمام لاعبي الوسط، للاستفادة من دقة تمريراته وقوة تسديداته، وبالتالي وفر خيارات عديدة لأي مدرب عمل معه محليا ودوليا. هو أحد خريجي مدرسة 4–3–3 التكتيكية، التي تخرج بعيدا عن التخصص وتهدف إلى الشمولية الكاملة، أي تتجه دائما إلى اللاعب الذي يجيد التصرف بالكرة أو من دونها.

وسط متكامل
يمتاز كريستيان إريكسن بقوة كبيرة في التمرير والتسديد، بالإضافة إلى قدرته على العودة إلى نصف ملعبه، والقيام بالشق الدفاعي على أكمل وجه، لسابق لعبه بهذا الشكل مع أياكس. واستفاد الأرجنتيني بوكيتينو من مزايا لاعبه، من أجل اللعب بأكثر من رسم خططي في الموسم، مع توظيفه في 3–4 أماكن وفق ظروف كل مباراة وخصائص المنافسين. الجدير بالذكر أن إريكسن نجح في كل الاختبارات، وحمل فريقه في أوقات الحسم على مستوى الإنتاج والأرقام، رغم أنه أقل من ديلي آلي وهاري كين وفق منظور البريق الإعلامي واهتمام الصحافة الإنكليزية.

حصل إريكسن في البدايات على دور صانع اللعب في تكتيك 4–2–3–1، اللاعب الذي يتمركز بين الجناحين وبالقرب من منطقة جزاء الخصم، يسدد من مسافات بعيدة ويمرر إلى المهاجم الصريح داخل وخارج منطقة الجزاء. وخلال هذاالموسم تحول توتنهام إلى أكثر من مسار، بعد زيادة خبرة اللاعبين ونضجهم، ليجد المدرب الأرجنتيني نفسه أمام كنز كروي لا يقدر بثمن، من حيث صغر سن النجوم وابتعاد الإعلام عنهم، حتى رؤية أفضل نسخة لإريكسن خلال الفترة الماضية.

قام اللاعب بصناعة 11 هدفاً خلال آخر 12 مباراة، بالإضافة إلى تسجيله 5 أهداف، أي مساهمته في 16 هدفاً خلال هذه المدة الزمنية القصيرة، نتيجة حمايته بثنائي محوري صريح بالمنتصف، وتمتعه بالحرية اللازمة للتحرك في الفراغات المتاحة، خصوصاً أن مدربه لا يحاصره في مكان واحد فقط، بل يترك له المجال للتحول من العمق إلى الطرف والعكس، مع تبادل الأماكن مع كل من آلي وكين أمام مرمى الخصوم.

بين الخطوط
لعب إريكسن في مركزي الجناح وصانع اللعب خلال رسم 4–2–3–1، ورغم أنه لا يتمتع بمهارات المراوغة والسرعة الفائقة، إلا أنه ظهر بطريقة رائعة عندما اعتمد عليه مدربه بعيدا عن عمق منطقة الجزاء، نتيجة ذكائه الحاد في ملء الفراغات بدون الكرة، حيث إنه يتحرك باستمرار في الاتجاه الصحيح. يملك نجم توتنهام قيمة إضافية في قدرته على تبادل المراكز مع الأطراف، حينما يدخل الجناح الأيمن في العمق ويتحول هو مكانه. ينطلق أيضا الجناح على الخط ليتمركز كريستيان في المنطقة الشاغرة بين الجناح والظهير.

ليس هذا فحسب، بل يمتاز أيضا بقدرته على القطع من الوسط إلى الهجوم، لكي يقوم بدور رأس الحربة الوهمي عند تشديد الرقابة على ديلي آلي. ليست العبرة فقط بالهجوم بل في تغطية المساحات الشاغرة التي يتركها لاعبو الفريقين، وإريكسن ملك هذه اللعبة، لأنه أفضل خيار ممكن للضرب في وبين الخطوط، من خلال هروبه من الرقابة وتمركزه خلف خطوط ضغط المنافس، ليحصل على الكرة في وضعية أفضل أثناء الهجوم.

بعد التحول إلى 3–4–2–1، انفجرت قدرات إريكسن الهجومية، لأنه في حماية تامة برباعي صريح في المنتصف، لذلك اقترب أكثر من المرمى وصنع ثلاثية الهجوم رفقة آلي وكين، وبالتالي أثبت الدنماركي أنه مميز كلاعب وسط صريح، يستطيع شغل خط المنتصف ببراعة، مع صعوده لأداء الوظيفة الهجومية، ليسجل حتى الآن 8 أهداف ويصنع 12 في 32 مشاركة بالبريميرليغ، مع 3 تمريرات خطيرة خلال كل مباراة.

ما بعد توتنهام
يؤكد الكثيرون أن مشروع توتنهام الحالي مستمر لسنوات إضافية، بسبب صغر سن معظم اللاعبين وإصرار المدرب بوكيتينو على الاستمرار لفترة طويلة، لدرجة أنه رفض عروضا قوية من عدة فرق كمانشستر يونايتد وبرشلونة كما تحدثت الصحف خلال السنوات الأخيرة، وبالتالي من الصعب تفريط الإدارة في أي نجم، خصوصا مع حملة تجديد التعاقدات التي بدأت منذ بداية الموسم الحالي، لتشمل معظم إذا لم يكن كل أعمدة التشكيلة الأساسية.

يعتبر إريكسن بالأخص عملة نادرة في الفترة الحالية، بسبب تعقد إيجاد لاعب وسط متكامل، يجيد اللعب في منتصف الملعب بين الدفاع والهجوم. ورغم استمرارية النجم في الشق الهجومي خلال الموسم الحالي، إلا أنه يمكنه العودة خطوات إلى الخلف والقيام بدور العامل المشترك بين الدفاع ولاعبي الثلث الأخير. ويبحث أكثر من فريق كبير على لاعب بهذه المواصفات، خصوصا فرق برشلونة والسيتي وإنتر وحتى ميلان في إيطاليا.

ليس بالسهولة إقناع توتنهام بالبيع، لكن بعد فترة معينة سيبدأ إريكسن نفسه بالسعي نحو انطلاقة جديدة، وسيتضاعف هذا الشعور في حالة عدم تحقيق بطولة كبيرة في أقرب وقت، لتبقى كل الطرق مفتوحة مع وجود أكثر من سيناريو غير متوقع، على أمل تحرك فعلي من أحد الأباطرة الكبار في إسبانيا أو إيطاليا، أو حتى إنكلترا.

اقــرأ أيضاً

من هزيمة دورتموند التاريخية إلى انتصار نادال الأول..أحداث اليوم

أحمد مختار

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا