النداء الثاني قبل الطوفان

الأمة المصرية كلها في امتحان مصيري، والوقت ضاغط، وكل دقيقة تمر في ظل هذه السلطة تأخذ الوطن إلى القاع.

يمكنك أن تنظر في وجوه المصريين، فتجد انكساراً لم تأت بمثله نكسة الصيف السابع والستين من القرن الماضي، ويمكنك أن تمدّ بصرك إلى الخارج، لتتفحّص ملامح مصر الكبيرة، وقد تدنى نظامها الحاكم إلى ما دون مرتبة “رجل المنطقة المريض”، ليستقر عند حالة أسوأ بكثير.

هي لحظة استفاقةٍ على كابوسٍ مخيف، تلاشت معه معالم الدولة المصرية التي نفذوا جريمتهم بحقها، زاعمين إنقاذها من السقوط في حالة دولة دينيةٍ، عبر انقلابٍ عسكري، لم يعد يشكك في أنه وقع كثيرون ممن تحمسوا لأصحابه في البدايات، والحاصل أن مصر بعده لا عرفت شكل المدنية، ولا استقرّت عند وضعية الدولة العسكرية.

والآن، تتصاعد الأصوات من الداخل والخارج، داعيةً إلى إنقاذ ما تبقى منها، بحيث صار الشعور بالخطر يجتاح جميع العارفين بمصر، تاريخاً وجغرافياً ودوراً ومكانةً، وكما قلت سابقاً إن الاتفاق على ضرورة مواجهة الكوارث المترتبة على سقوطها في أيدي المغامرين الفشلة، هو ، بحد ذاته، مكسبٌ، ومطلبٌ ثوريٌّ مهم، مع احترام حق كل فصيل في اختيار المدخل الذي يناسبه، ويتّسق مع أفكاره وقناعاته، للوصول إلى النتيجة التي تجمع كل الأطراف الشريكة في الثورة، على أنها الهدف الأسمى والأهم.

أكرّر أيضاً أن العودة مجدداً إلى النبش في أخطاء هذا، وخطايا ذاك، والاستمرار على تلك الوضعية البيزنطية من الجدل العميق، والاشتباك الضروس حول من فعل ماذا، ذلك كله لا يعني إلا أن الجميع مستسلمون لحالة اللغو والسفسطة، هرباً وتفلّتاً من فعلٍ واجب، بات تأجيله أو ترحيله، نوعاً من الانتحار.

وإذا كنا متفقين أن الكل بمواجهة امتحان تاريخي، فإن طبيعة الأمور تقتضي ألا نتوقع من كل الممتحنين تحقيق التفوق والحصول على العلامة الكاملة، بل تتفاوت الدرجات والتقديرات، ارتباطاً بمجموعةٍ من العناصر، منها الموضوعي ومنها الذاتي، غير أن إجماعاً لابد أن ينعقد على تعيين نسبة الحد الأدنى من النجاح.

بتفصيلٍ أكثر، هناك من يطمح إلى تحقيق الدرجة النهائية في الامتحان، وأعني بها إزاحة سلطة الانقلاب، بتبعاتها الكارثية، واستعادة الأوضاع السابقة على لحظة الانقضاض على الحكم المنتخب، وهذا حلمٌ مستحق، وهدفٌ يتمتع بكل الجدارة الأخلاقية والقانونية، ولا يضير أحداً أن يكون هناك من يتمسّك به، كاملاً..

وهناك كذلك من يهدف إلى تحقيق نسبة النجاح المطلوبة، فقط، والحد الأدنى لها تخليص مصر من هذه السلطة البليدة التي تمضي بها إلى المجهول، وهذا أيضاً هدفٌ مشروع، ولا غضاضة فيه، شريطة ألا يدّعي محققوه أنه الغاية الكبرى، والمطلوب الأخير، أو الوحيد، إذ ليس من العدل هنا أن يطلب الساعي إلى الحد الأدنى، وفقط، من الحالم بتحقيق العلامة الكاملة أن يكفّ عن كفاحه لبلوغ هذه الغاية، ذلك أن تحقيقها لا يضير أحداً، ولا يتعارض مع مقتضى العدل والحق .

والحال كذلك، يصبح واجباً على الجميع، ما داموا متفقين على الحد الأدنى، وهو تحرير مصر من خاطفيها، أن يحترم كل طرفٍ مدى طموح الآخر، وحدود قدراته، ويغالب هواه الخاص لبلوغ معنى الإنصاف والموضوعية.

هذا الإنصاف الذي يستوجب أن يعيد الجميع قراءة مسيرة السنوات الأربع الماضية، تحت حكم الجنرالات، وينظر بحسابات الأهداف والنتائج، ويجري تقييماً ذاتياً، فالكل مدعوٌّ إلى تدارك الكارثة، وهذا ما عنيته في النداء الذي لن يكون أخيراً قبل الطوفان، بضرورة صياغة علاقات تجاور وتحاور، بحيث يمضي كلٌّ في مساره، تحت ما أسميتها المظلة الواحدة للمشروع الوطني الجامع، الذي لا يقصي أحداً، ولا يجعل طرفاً يتسلط على الآخر، أو يسلك وفقاً لقاعدة “الكل أو اللاشئ”.

وما سبق يتعلق بالعاقدين العزم على خوض امتحان المصير، أما القاعدون على جانبي الطريق، يسعل بعضهم تثبيطاً وتحبيطاً، أو يشعل بعضهم الآخر حرائق التخوين والتكفير، فمن العبث الانشغال بهم.

والحديث موصول..

وائل قنديل

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا