النهائي المثالي

مباراة لا يمكن حصرها في عنوانٍ واحد، وقد لا يكفيها مقال واحد، وبكل تأكيد منظّمو البطولة في كارديف لم يحلموا بنهائي أفضل من هذا، فهو النهائي الأكبر، في المدينة الأصغر، فكارديف هي أصغر مدينة تستضيف نهائي دوري الأبطال في التاريخ.

يوفنتوس وريال مدريد، وعناوين كثيرة
مباراة الثأر، وللمفارقة، هي مباراة ثأر للفريقين! فيوفنتوس يريد الانتقام من الفريق الذي سلب منه نهائي 1998 بهدفٍ غير شرعي، والريال يريد الانتقام من الفريق الذي يُقصيه من البطولة في كل مرة يواجهه في الأدوار الإقصائية.

الفريق الأقوى ضد الفرقة الأقوى: قوّة يوفنتوس كمنظومة متكاملة، في مواجهة قوّة لاعبي ريال مدريد الفردية. يوفنتوس، الذي قدّم أفضل صورة عن أسلوب اللعب الجماعي، دفاعياً وهجومياً، الأمر الذي يُعتبر أحد أسرار قوّة يوفنتوس هذا الموسم، في مواجهة فريق يمتلك أفرادا أثبتوا في أكثر من مباراة أنهم قادرون وحدهم على حمل تاريخ وعراقة الريال على أكتافهم.

مباراة بين الزعيم محلياً، والزعيم أوروبياً: يوفنتوس المُتخم بالألقاب المحلية، والذي يحلم هو وجمهوره باللقب الأوروبي الأغلى، في مواجهة الفريق المُتخم بالألقاب الأوروبية والذي يحلم هو وجمهوره بتحقيق اللقب المحلي لتأكيد زعامته وأفضليته كأفضل نادٍ في التاريخ.

ذكريات بوفون السيئة على ملعب كارديف، في مواجهة ذكريات كريستيانو الجيدة على نفس الملعب. بوفون خسر على هذا الملعب أمام ويلز في تصفيات يورو 2014، بينما حقّق كريستيانو العديد من الانتصارات عليه، حين كان مع مانشستر يونايتد.

مباراة بين الشغف والتاريخ: يعاني يوفنتوس وجمهوره من سوء حظ الفريق في دوري الأبطال، فهو بهذه المباراة، يصل للمباراة النهائية للمرة التاسعة في تاريخه، فاز فيها مرتين فقط باللقب، وهو يطمح لإضافة لقب ثالث لتاريخه العريق، ولكسر هذا النحس. بينما يرغب ريال مدريد وجمهوره في تأكيد سيطرة الفريق الملكي على هذه البطولة، التي حفر اسمه في تاريخها بأحرفٍ من ماس.

“بي بي سي” يوفنتوس في مواجهة “بي بي سي” ريال مدريد: مع الفارق الكبير بين الثلاثيين، إلا أن ثلاثي يوفنتوس بونوتشي بارزاليي كييليني، يلعب جنباً إلى جنب منذ سبع سنوات، حصل خلالها على لقب الدفاع الأفضل في العالم، أمر أكّده مجدّداً ثلاثي اليوفي في مباراة برشلونة هذا الموسم، حيث لا يمكن لأي دفاع أن “يطفئ” محركات خط هجوم برشلونة في مباراتين إذا لم يكن دفاعاً حديدياً. هذا الدفاع الذي سيواجه بي بي سي ريال مدريد، بايل بنزمّة كريستيانو، مع عدم تأكيد جهوزية “صاحب الأرض” حتى اللحظة، غاريث بايل، لكن السؤال هو هل سيتمكن كريستيانو من تحقيق ما عجز عنه ميسي ونيمار وسواريز؟

زيدان وأليغري..مباراة شطرنج
بالانتقال من العناوين التي لا تنتهي لهذه المباراة، ندخل في صُلبها، ندخل في الأسئلة، كيف سيواجه أليغري زيدان، وكيف سيواجه زيدان أليغري؟

من حسنات يوفنتوس وماسيميليانو أليغري، أن للمدرّب الإيطالي أفضلية اللعب بأكثر من تشكيل، وتغييره لهذا التشكيل خلال أي مباراة بشكلٍ “سلس”، لا يؤثر على أداء اللاعبين بل على العكس، أثبت لاعبو يوفنتوس الحاليين قدرتهم على التأقلم “والتلوّن” مع أية تشكيلة يضعهم فيها أليغري.

مع لاعبين بمواصفات أليكس ساندرو وداني آلفيش وميراليم بيانيتش وخوان كوادرادو، مع “ثنائي” باولو ديبالا وغونزالو إيغوايين، وقدرة اليوفي الخفية على اللعب بخمسة مهاجمين، ومع فريق يهاجم ويدافع بنفس المهارة تقريباً، ولاعب يشبه “الجوكر” مثل ماريو ماندزوكيتش، ما يجعل يوفنتوس فريقا يصعب قراءته من ناحية الخصم، ويتركه في حيرة، الأمر الذي يصبّ لمصلحة السيدة العجوز بكل تأكيد. حتى إن أحد الصحافيين شبّه يوفنتوس هذا “بالحرباء”، التي تتلوّن حسب محيطها كردّ فعلٍ طبيعي لحماية نفسها.

أما من جهته، سيحاول زين الدين زيدان التعامل مع احتمال غياب بيل وكارفاخال، الأمر الذي ليس من المفترض أن يكون صعباً عليه، خاصة أنه يملك أقوى دكّة بدلاء في العالم.

مع لاعب من نوعية مارسيلو (الذي يلقّبونه بروبرتو كارلوس الجديد) وبالاعتماد على سيرجيو راموس ورافاييل فاران في الخلف لإيقاف “تهديد” ثنائي ديبالا وإيغوايين، أضف إلى هؤلاء لاعبين من طراز كريستيانو رونالدو، كريم بنزمّة ولوكا مودريتش، وبدلاء من نوعية ألفارو موراتا، خاميس رودريغيز، إيسكو والشاب الواعد ماركو أسنسيو، لا يبدو أن لدى “زيزو” أي داعٍ للقلق.

من الواضح أن أليغري أكثر مرونة “تكتيكياً” من زيدان، وأن للمدرّب الإيطالي أفضلية تنويع التشكيل حسب معطيات المباراة، لكن زيدان يمتلك فريقين كاملين في صفوفه، بين أساسيين واحتياطيين، والسؤال هنا، هل سيعتمد زيدان نفس التشكيلة التي اعتمدها أغلب الأوقات أم أنه سيمزج بين خطوطه ليشكل “الخلطة الأكمل” لهذا النهائي!

بالنظر في نقاط قوّة وضعف كلّ من الفريقين، نجد أن نقاط قوة يوفنتوس تبدأ من اللعب الجماعي، والتزام اللاعبين بهذا الأمر وبتعليمات المدرّب، وهي نقطة قوّة من جهة اليوفي يحسب لها حساب، على سبيل المثال لا الحصر، إذا ما قارنّا بين ديبالا، إيغوايين وماندزوكيتش بخط هجوم الريال، سنجد فرقاً شاسعاً من نواحٍ عدّة، أما “فريق” ديبالا- إيغوايين — ماندزوكيتش، فريق قوي!

الأمر نفسه يطبّق على جميع خطوط اليوفي. إضافة إلى أن يوفنتوس أثبت أنه يعرف كيف يستغل نقاط ضعف الخصم، ونقاط ضعف ريال مدريد واضحة حتى اللحظة.

أما نقاط ضعفه، أن يفقد اللاعبون أو جزء منهم التركيز بفكرة المجموعة تلك، أن لا يكون أحد عناصر الدفاع “في يومه”، إذا كان الوصول إلى المباراة النهائية يتطلّب التركيز 100% من اللاعبين، فهذه المباراة تتطلّب نسبة تركيز 110%.

نقاط قوّة الريال كثيرة وأكثر من نقاط قوّة يوفنتوس، تبدأ من قوّة شخصية زيدان الذي تمكّن من إقناع لاعب مثل كريستيانو بعدم ضرورة اللعب في جميع المباريات وأن راحته في بعضها من أجل مصلحة الجميع، الأمر الذي جنى ثماره لاحقاً بالفعل، ثمانية أهداف في دوري ربع ونصف النهائي، ليس رقماً عادياً.

إضافة إلى شخصية زيدان، دكّة بدلاء الريال إحدى أهم نقاط قوة الفريق، فهو يمتلك “محيط” من اللاعبين الجيّدين. وفي كلّ مرّة يقوم فيها زيدان بتبديلات خلال المباراة، يثبت أنه مُحق وأن تبديلاته كانت ناجحة.

أما نقاط ضعف الريال قد تكون بداية غياب لاعب بقيمة داني كارفاخال، وأن دانيلو لم يحظ بإعجاب الجميع أو ربما لا أحد، فلديه الكثير من الهفوات، إضافة إلى تذبذب مستوى حارسه كيلور نافاس، الذي أحياناً يتألّق وينقذ الفريق، وأحياناً أخرى يرتكب هفوات لا يرتكبها حارس مبتدئ.

التزامات الفريقين المحلية نقطة ضعف لهما معاً. يوفنتوس لديه مباراتان ليحقّق الدوري، مباراة ليحرز كأس إيطاليا، قبل أن يذهب إلى كارديف ليواجه ريال مدريد في نهائي دوري الأبطال، الذي بدوره، لديه أيضاً مباراتان ليحقّق لقب الدوري الذي يغيب عن خزائنه منذ 2012.

في المرتين السابقتين اللتين حقّق فيهما يوفنتوس لقب دوري الأبطال، فاز على فريق فرنسي في نصف النهائي، وعلى حامل اللقب في النهائي، جمهور يوفنتوس يتمنّى أن يعيد التاريخ نفسه هذه المرة أيضاً، ومن جهته، يتمنّى جمهور الريال أن يتمكّن من الحفاظ على اللقب لسنتين متتاليتين، الأمر الذي لم ينجح أي فريق في العالم من تحقيقه، سوى إي سي ميلان الإيطالي عامي 1998 و1990.

هل تكون الثانية عشرة لمدريد، أم “الثالثة ثابتة” لبوفون، الذي يصل للنهائي الثالث مع فريقه، بوفون، الذي فاز بكل شيء ممكن مع يوفنتوس والمنتخب، لكنّه يحلم أن يتوّج نهاية مسيرته برفع كأس ذات الأذنين…

أسئلة كثيرة، لن نعرف إجابتها قبل الثالث من حزيران- يونيو 2017، هناك في كارديف، في المباراة التي من المتوقّع أن يشاهدها 400 مليون مشاهد في 200 دولة حول العالم. 400 مليون سينتظرون صافرة الألماني فيليكس برويخ، لمعرفة من سيكون ملك أوروبا لهذا العام.

اقــرأ أيضاً

بسبب حمامة ملعب رادس.. لاعب فيتا كلوب مهدد بالإيقاف

شفاء مراد

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا