بعد استقالة فلين من إدارة ترامب

تفتح استقالة مستشار الأمن القومي الأميركي، مايكل فلين، بعد أقل من شهر على تولي دونالد ترامب رئاسة أميركا، صفحة جديدة من صفحات معاناة الأخير منذ توليه الحكم، وتعطي مثالاً جديداً على قدرة ماكينة مؤسسات الحكم الأميركية على ترويض ترامب وإدارته، ومن يحيط به من متطرفين. ففي أقل من شهر، أسقطت المحاكم الأميركية الحظر الذي فرضه ترامب على سفر أبناء سبع دول مسلمة، وبدأ ترامب في التراجع عن تصريحاتٍ متطرفةٍ أطلقها، خلال حملته الانتخابية، مثل نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وتقليل التزامات بلاده الأمنية نحو حلفائها في شرق آسيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ثم أجبرت المؤسسات الأمنية نفسها مستشار ترامب للأمن القومي، وأحد أهم مستشاريه الأمنيين والسياسيين، على الاستقالة.
وتعود أسباب الاستقالة إلى تسجيلات قامت بها المؤسسات الأمنية للاتصالات التي يجريها السفير الروسي في واشنطن، في إطار مراقبتها نشاط الدبلوماسيين الروس على الأراضي الأميركية، حيث سجلت مكالمة أجراها مايكل فلين مع السفير، قبل تولي ترامب الحكم، وقبل يوم من إعلان الرئيس السابق، باراك أوباما، عقوبات ضد روسيا، في أواخر شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، بسبب مساعي روسيا إلى التأثير على الانتخابات الأميركية. ويبدو من محتوى التسجيلات التي لم تنشر كاملة بعد، ولكن تناقلتها وسائل الإعلام الأميركية على ألسنة مسؤولين أمنيين كبار، أن فلين نصح روسيا بالتريث في الرد على عقوبات أوباما، حتى لا تتعقد العلاقات لاحقاً بين روسيا وإدارة ترامب. وبالفعل لم ترد روسيا على العقوبات الأميركية بإجراءات انتقامية.
وأثار اتصال فلين بالسفير الروسي أكثر من مشكلة سياسية وقانونية وأمنية في آن، فالرجل جنرال أميركي سابق ورئيس سابق لوكالة الاستخبارات العسكرية التابعة لوزارة الدفاع

“استقالة فلين تعني فقدان إدارة ترامب أحد صقور السياسة الخارجية والأمنية فيها”

(البنتاغون)، وهي أهم وكالة للاستخبارات العسكرية الأميركية، وتفرض التقاليد السياسية الأميركية قيوداً صارمة على العسكريين السابقين في التواصل مع الخارج، كما أن فلين تواصل مع السفير الروسي قبل أسابيع من توليه منصبه مستشاراً للأمن القومي الأميركي في إدارة ترامب. أما الخطأ الأكبر الذي وقع فيه فلين فهو الكذب، ومحاولة تضليل ترامب ونائبه مايك بنس، بخصوص محتوى المكالمة بينه وبين السفير الروسي. فبعد أن تسرب لوسائل الإعلام، بدأت هذه تطالب الإدارة بتوضيح ما جرى بين فلين والسفير، فخرج نائب الرئيس بنس ليؤكد للإعلام ثقة ترامب الكاملة في فلين، وأن الأخير لم يناقش العقوبات الأميركية مع السفير الروسي، ما يكشف عن كذب فلين على ترامب ونائبه في البداية، بخصوص محتوى المكالمات، وهو ما استدعي تدخل وزارة العدل الأميركي مجدداً، ورفعها تقريراً أمنياً إلى ترامب، يطالبه بالتحقيق مع فلين، ويعبر عن مخاوف من أن يستخدم الروس محتوى الاتصال لابتزاز مستشار الأمن القومي، حتى لا يفتضح أمره أمام رئيسه والرأي العام الأميركي. ومع استمرار الضغوط الإعلامية والسياسية والأمنية على إدارة ترامب، قدم فلين استقالته.
والواضح أن الاستقالة لن تغلق ملف فلين وعلاقته بالروس، بل ستفتح الباب على مصراعيه لمزيدٍ من الضغوط، فوسائل الإعلام، وبعض أعضاء الكونغرس، يريدون معرفة ما إذا كان الاتصال بين فلين والسفير الروسي تم بمعرفة ترامب نفسه، أو أي من كبار أعضاء إدارته. وستزيد الاستقالة أيضاً من معاناة ملف العلاقات الأميركية الروسية في إدارة ترامب، فمستشار الأمن القومي المستقيل، مايكل فلين، كان من أنصار التقارب مع روسيا، وسبق له أن سافر إلى روسيا، بدعوة من تلفزيون “روسيا اليوم”، لحضور احتفال حضره الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وألقى فيه كلمة، وهي زيارةٌ عرّضت فلين لنقدٍ كثير، باعتبارها خروجاً على التقاليد العسكرية الأميركية على الأقل، باعتباره جنرالاً كبيراً سابقاً. وسوف تلقى استقالة فلين مزيداً من الشك على أي مساع من إدارة ترامب للتقارب مع روسيا في الفترة المقبلة، حيث تتزايد الصورة لدى الرأي العام الأميركي أن ترامب قريب أكثر من اللازم من الروس.
ستعمق الاستقالة أيضاً من نظرة الأميركيين السلبية إلى إدارة ترامب، على أنها عاجزة عن تنظيم صفوفها، واختيار رجالها وإدارة شؤونها الداخلية، فالاستقالة هي الأسرع بين مستشاري الأمن القومي الأميركي وفقاً لتقارير إعلامية أميركية، كما يشتكي الإعلام الأميركي من بطء إدارة ترامب في تعيين كبار موظفيها، ومن حالة الفوضى في أوساط الإدارة، وكبار مكاتبها، مثل مكتب مستشار الأمن القومي نفسه، والعجيب أن إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، أقالت فلين نفسه، عندما عمل رئيس وكالة الاستخبارات العسكرية في البنتاغون من منصبه، بسبب أسلوبه في الإدارة وتشدد أفكاره وسوء معاملته مرؤوسيه.
وباستقالة فلين، تخسر إدارة ترامب أحد صقورها، فالرجل كان شبيهاً بترامب في مواقف

“لا يتردّد فلين في الإساءة للإسلام، ووصفه بالسرطان، وأنه أيديولوجية سياسية، تتخفى في رداء الدين”

وتوجهات له كثيرة، فهو عصبي المزاج، يؤمن بكثير من نظريات المؤامرة، وشديد الفخر بنفسه، كما أن مواقفه الخارجية شبيهة بترامب في صقوريتها، وربما يكون قد أثر علي ترامب، بحكم أنه من أقدم مستشاريه الأمنيين، حيث انضم إلى حملته في بداية عام 2016.
ولا يتردّد فلين في الإساءة للإسلام، ووصفه بالسرطان، وأنه أيديولوجية سياسية، تتخفى في رداء الدين، ويرى أن أميركا منخرطة في حرب عالمية ضد ما يسميه الإسلام الراديكالي أو الجهادي، كما يطالب بإعادة بناء علاقة أميركا بإسرائيل وديكتاتوريات العالم العربي، باعتبارها حائط صد ضد تمدّد الجهاديين وأيديولوجيتهم، كما يرى أن الجهاديين، بقيادة إيران، متحالفون مع روسيا والصين في تحالف دولي ضد أميركا. ومع ذلك، يتمنى لو تتقارب روسيا مع أميركا في حربها ضد الجهاديين، ويوجه جزءاً كبيراً من طاقته في المطالبة بالضغط على إيران، وإسقاط نظامها من الداخل، من خلال دعم حركات المعارضة الداخلية.
سبق أيضاً، أن ضغطت وسائل الإعلام الأميركية بنجاح على إدارة ترامب، خلال الفترة الانتقالية، لإقالة أحد أبناء مايكل فلين الذي كان يعمل مستشاراً لأبيه داخل الإدارة، لترويجه نظريات المؤامرة على حسابه في “تويتر”، حيث أعاد نشر مقالٍ يدّعي أن هيلاري كلينتون تدير شبكة للتجارة في الأطفال من أحد محال البيتزا في واشنطن، ما شجع أحد المتطرفين على إطلاق النار على محل البيتزا.
باختصار، استقالة فلين تعني فقدان إدارة ترامب أحد صقور السياسة الخارجية والأمنية فيها، وتعرّضها لكبوة كبيرة إضافية في زمن قياسي، وتفتح الباب لممارسة مزيد من الضغوط عليها، والتدقيق في من يحيط بترامب من مستشارين متطرفين، والطريقة التي يدير بها الحكم وأسلوبه في صنع القرار والسياسة الأميركية، كما أنها تعطي مؤشراً إيجابياً على قدرة مؤسسات الحكم والديمقراطية الأميركية نفسها على ترويض ترامب والمحيطين به.

علاء بيومي

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا