بين أوراق “ويكيليكس”… ما يخشى بن زايد أن يعرفه الإماراتيون فيرجموه (2\3)

يتردّد اسم محمد بن زايد، الذي يشغل رسميًّا منصبي وليّ عهد أبوظبي، ونائب القائد الأعلى للقوّات المسلّحة، كثيرًا بين مئات آلاف الوثائق السرّية المنشورة في موقع التسريبات “ويكيليكس”، وفي فترات متباعدة.

ويمكن أن نستدلّ من أحاديث الغرف المغلقة تلك أن سياسة التحريض التي حرّكت الثورات المضادّة في الأقطار العربيّة المنتفضة، وأفضت أخيرًا إلى مقاطعة قطر وفرض الحصار عليها، هي راسخة الجذور لدى بن زايد، كما أن عداءه للديمقراطيّة، ولحركات المقاومة الفلسطينيّة، وقابليّته للتطبيع مع إسرائيل، هي قناعات قديمة متأصلة لديه منذ السنوات الأولى للألفيّة الجديدة، حينما بدأ أبناء الأب المؤسس، زايد بن سلطان آل نهيان، يمسكون بزمام السلطة في البلاد.
غير أن اللافت هو خصومته الكامنة مع حليفه الرئيسي في محور المقاطعة اليوم؛ المملكة العربية السعودية.

وبعد استعراض آرائه بخصوص السعودية (انقر هنا)، في الحزمة الأولى من الأوراق المنشورة، ما يلي أبرز أفكاره بخصوص الديمقراطية والربيع العربي، والمقاومة الفلسطينية وقطر والعلاقة مع إسرائيل:

التحريض على الربيع: “نحن لسنا كاليفورنيا”

في حواره مع مساعد الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي ومكافحة الإرهاب، الموثّق بتاريخ 29 إبريل/نيسان 2006، يبدي بن زايد خشيته مسألة الانتخابات الحرّة، قائلًا إنه “إذا جرت انتخابات فى دبي غدًا فستتولى جماعة الإخوان المسلمين زمام الأمور”. وفي مقابل ذلك، يرى بن زايد أن التحدي يكمن في إيجاد وسيلة للقضاء على المتطرفين بشكل نهائي، إحدى الطرق التي يحاول هو وإخوته تجريبها، كما تشرح كاتبة الرسالة، السفيرة الأميركية السابقة ميشيل سيسون؛ هي إصلاح نظام التعليم الذي يقولون إن جماعة “الإخوان المسلمين” اخترقته منذ أواخر الستينيات.


إذا جرت انتخابات فى دبي غدًا فستتولى جماعة الإخوان المسلمين زمام الأمور

ويظهر من خلال الوثائق أن بن زايد يحمل هذا الموقف العدائي حتّى قبل وصول “الإخوان المسلمين” إلى الحكم، تزامنًا مع الحراك الثوري الذي أعقبته انتخابات حرّة لم تشهدها بعض البلدان العربيّة سابقًا. وباستخدام “فزاعة الإخوان” تلك، يعبّر بن زايد لوكيل وزارة الخارجية الأميركية السابق للشؤون السياسية، نيكولاس بيرنز، عن تحفظاته القوية ضد فكرة الانتخابات الحرة في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن المزيد من الديمقراطية في المنطقة ستمكّن خلال وقت قصير “الإخوان المسلمين” و”حماس” و”حزب الله”. 

وخلال اللقاء ذاته، المدوّن في الوثائق المسرّبة بتاريخ 24 يناير/كانون الثاني 2007، يركز بن زايد النقاش فورًا على ظاهرة الانتخابات، ويسأل ضيفه الأميركي، مستحضرًا فوز “حماس” في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006: “لماذا تدعم الولايات المتحدة الانتخابات في الشرق الأوسط بينما النتائج ظاهرة للعيان في أماكن مثل فلسطين”؟ ثم يتبع بن زايد سؤاله بالقول إنه لا يوافق على الترويج للانتخابات “إذا أردنا تحقيق السلام”. 

ويواصل المسؤول الإماراتي ترديد فكرته لضيفه الأميركي، قائلًا: “في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، سترى النتيجة نفسها في أي بلد مسلم”، ويشرح وجهة نظره تلك بالقول: “في حين أن أعضاء الكونغرس الأميركي ومجلس الشيوخ موالون لدولهم ودوائرهم الانتخابية؛ فإن جماهير الشرق الأوسط أكثر ميلا للانجرار وراء عواطفها والتصويت بأغلبية ساحقة لصالح الإخوان المسلمين والجهاديين من أمثال حماس وحزب الله”.

ويقترح بن زايد أن إصلاح هذا الوضع يقتضي التعليم، وهي عملية تستغرق من 25 إلى 50 عامًا من الجهود المركزة لـ”الالتفاف حول ظواهر ثقافية عميقة الجذور”، مدلًلًا على ذلك بالقول إن دولته أغلقت، في الجزء الغربي من إمارة أبوظبي وحدها، ما نسبته 80% من 262 مما سمّاها “مدارس قرآن طالبانية”، والتي لا تتردد أية أسرة إماراتية في إرسال أبنائها إليها، كما يقول. 

ويخلص إلى القول: “أنا عربي، وأنا مسلم، وأصلي، وفي السبعينات وأوائل الثمانينات كنت واحدًا من هؤلاء، وأعتقد أن هؤلاء لديهم مشروع سياسي ما”. وعلى الرغم من ذلك، يعترف بن زايد أن شقيقه، عبد الله بن زايد، دعم فكرة الانتخابات أكثر من اللزوم، وأشار إلى أنه “ربما لا يتفق تمامًا معي”.


انتخابات حرة في الشرق الأوسط قد تعني في النهاية أن على الولايات المتحدة أن تفتش في مكان آخر للحصول على 17 مليون برميل (من النفط) يوميًا

وفي إجابته على تساؤلات بن زايد، يشير بيرنز إلى أن “الولايات المتحدة لا تسعى لفرض مخطط تفصيلي على دول أخرى، ولكن أبو ظبي من البلدان التي يجب أن تجد طريقها إلى مستقبل ديمقراطي”، ليرد المسؤول الإماراتي بأنه يقدر هذه الحقيقة، لكن “انتخابات حرة في الشرق الأوسط قد تعني في النهاية أن على الولايات المتحدة أن تفتش في مكان آخر للحصول على 17 مليون برميل (من النفط) يوميًا”.

ويمضي بن زايد إلى القول أخيرًا: “الحمد لله على حسني مبارك (وصفه بأنه صديق عائلي لآل نهيان). إذا كانت مصر تجري انتخابات حرة فسوف يفوز الإخوان المسلمون”. ويختم في خلاصة حديثه قائلًا: “كانت هناك ثلاث دول إسلامية كبيرة تدعو للقلق، مصر والسعودية وباكستان. لا سلام مع حماس والطموحات النووية الإيرانية”.

ومن قناة “الإخوان المسلمين” أيضًا، يعمد بن زايد إلى مهاجمة قطر، وهذا ما كان الموضوع الشاغل بالنسبة له في لقاء مع السفير الأميركي، ريتشارد أولسون، موثّق بتاريخ 25 فبراير/شباط 2009. وخلال لحظة ما في ذلك الاجتماع بالذات، طلب بن زايد من الأشخاص الذين يدوّنون محضر الاجتماع لدى كلا الطرفين التوقّف عن الكتابة، وإبقاء حديثه خارج التسجيل، ليمضي قائلًا إن قطر هي “جزء من الإخوان المسلمين”، مشجّعًا الولايات المتّحدة على أن تنظر إلى موظفي الجزيرة، غير مستبعد أن تجد أنّ 90% من طاقمها يتبعون لجماعة الإخوان. وصرّح كذلك بأنّه يعرف أمير قطر في حينها، حمد بن خليفة، ووزير خارجيّته، حمد بن جاسم، تمام المعرفة، ولا يمكنه فهم السبب الذي يدفعهما إلى “خيانة” أشقائهما العرب إلا إذا كانا مدينين بالفضل لـ”الإخوان المسلمين”.

اقــرأ أيضاً

رجلان خطيران

حماس “إرهابية”.. وإسرائيل ليست عدوًّا

ومن بين الأمور الكثيرة التي ناقشها مع بيرنز، يتوسع محمد بن زايد في شرح التزام دولة الإمارات العربية المتحدة بـ”التسامح الديني”، مستشهدًا بالدعم المتواصل الذي يقدمه آل نهيان لـ”عمل المبشرين (المسيحيين) الطبيين الأميركيين” في مدينة العين منذ أواخر الخمسينات واكتشاف الآثار الأركيولوجية للكنيسة التاريخية على جزيرة إماراتية، في بلد مسلم. من هذا المنطلق، وفي خلط مقصود، على الأغلب، بين الصهيونية واليهوديّة، يخلص بن زايد إلى القول إن الإمارات لا تنظر إلى إسرائيل باعتبارها عدوًّا.


الإمارات وعدت مسؤولين إسرائيليين، على لسان بن زايد، بأنهم سيكونون أعضاء كاملين ومشاركين في المنظمة العالميّة الجديدة

وفي الوثيقة المذكورة في موضع سابق، والتي تخلّلها اتّهامه لقطر بأنها جزء من جماعة الإخوان، يبدي بن زايد ثقة “مهووسة”، بحسب تعبير السفير الأميركي أولسن، بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي (الذي يصفه في وثيقة أخرى بالأقوى في العالم) سينفّذ ضربة عسكرية ضدّ إيران في تلك السنة (2009)، وهذا ما قدّ يحفّز طهران، غالبًا، على ضرب الأهداف القريبة مثل الإمارات (التي يعرّفها على أنها شريك في حلف إسرائيل والولايات المتّحدة).

وفي وثيقة أخرى منشورة بتاريخ 17 يوليو/تموز 2009، يظهر بن زايد ردّة فعل إيجابيّة تجاه تصريحات وليّ العهد البحريني، سلمان بن حمد آل خليفة، لصحيفة “واشنطن بوست”، والتي دعا فيها الدول العربيّة إلى التواصل مع إسرائيل “مباشرة” لتحريك عملية السلام في المنطقة. يصف بن زايد، من ناحيته، هذا التصريح بـ”الشجاع”، قائلًا إن الفرصة الأفضل للشراكة المبكّرة والعلنيّة بين الإمارات وإسرائيل ستكون عبر إنشاء مقرّات “أيرينا” (الوكالة الدولية للطاقة المتجدّدة)، وأن الإمارات وعدت مسؤولين إسرائيليين بأنهم سيكونون أعضاء كاملين ومشاركين في المنظمة العالميّة الجديدة، وهو ما تمّ لاحقًا بالفعل (اقرأ هنا).

وفي مقابل ذلك، تدوّن السفيرة الأميركية ميشيل سيسون، في رسالة بتاريخ 29 إبريل/نيسان 2006، أن قادة دولة الإمارات أبلغوها أنهم يعتبرون “حماس” منظمة إرهابية، وأنهم لن يموّلوها ما لم تنبذ العنف. ومع ذلك، تقول سيسون إنه بعد أن زار رئيس المكتب السياسي السابق لحركة “حماس”، خالد مشعل، أبو ظبي، في 22 مارس/آذار، والتقى مع وزير الدولة لشؤون الرئاسة، الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، ووزير الدولة للشؤون الخارجية، محمد الشعالي، ذكر مشعل علنًا أن الإمارات تعهدت بمواصلة تقديم المساعدات المالية للحكومة الفلسطينية التي تقودها “حماس”.

لكنها تنقل في المقابل تطمينات بن زايد لمسؤول أميركي، صرّح له بها في 28 مارس/آذار، بأن “الإمارات سمحت لمشعل بالمجيء، ولكن رسميًّا، نحن لا نعترف به”. وتضيف السفيرة إلى ذلك ما تحدّث به بن زايد في الاجتماع المدوّن في محضر الوثيقة، والذي ضمّ مساعد الرئيس بوش لشؤون الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب، فرانسيس تاونسند، حين قال إن الإمارات “استشعرت جماهير الإخوان المسلمين وراء حماس” بعد فوزها الانتخابي في الأراضي الفلسطينية، واعتبر أن فوز “حماس” ينبغي أن يكون درسًا للغرب.

لو علم الإماراتيون لرجموني

في رسالة أخرى، مدوّنة بتاريخ 31 أغسطس/آب 2009، يشرح السفير الأميركي وجهة نظره لرؤسائه في إدارة باراك أوباما الجديدة، ويقدّم لهم صديقه محمد بن زايد، الذي يرغب في “تجديد معرفته” بالوجوه الجديدة في واشنطن. يقول السفير الأميركي ريتشارد أولسن: “انشغال محمد بن زايد بإيران (واهتمامه الثانوي بالأصولية الإسلامية)، يقودانه إلى رؤية استراتيجية للمنطقة تقترب بشكل غريب من الرؤية الإسرائيلية. لكن السياسة الداخلية تندفع بالاتجاه الآخر، فهو يشعر أنه مقيد بحدود ما يمكن التعبير عنه علنًا. ولأسباب غير واضحة تمامًا، ما تزال دولة الإمارات تشعر بالحاجة للاختباء خلف جامعة الدول العربية وإجماع دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة وراء السعودية (حتى عندما تكون العلاقات الثنائية مع المملكة متقلبة كما هو الحال الآن)”.

بوسعنا أن نجد ما يمكن الاستشهاد به على ذلك، أي القدرة المحدودة على التحرّك علنًا، في وثيقة لقائه مع نيكولاس بيرنز (سبق ذكرها)، حينما أثار هذا الأخير موضوع زيارة رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى؛ وردّ يوسف العتيبة بأنه كان من الأفضل تأجيلها بسبب “المخاوف الأمنية” التي أدى إليها نشر مقالة مارك بيرلمان عن الزيارة في مجلة “ذا فوروورد”. وزعم العتيبة، متحدثًا بالنيابة عن محمد بن زايد، أن المجموعة اختارت مخالفة نصيحة دولة الإمارات بعدم الإعلان عن الزيارة. مؤكّدًا له بأن التأجيل لم يكن، في الواقع، إلغاء.

على هذا النحو، وعلى ضوء كلّ ما سبق، بوسعنا أن نقرأ الهاجس الذي تملّك بن زايد، وعبّر عنه مرارًا خلال لقائه مع بيرنز، حينما قال إنه قد يتعرّض للرجم بالحجارة من قبل شعبه لو عمد إلى التصريح عن بعض الأمور بشكل “علنيّ جدًّا”.

(العربي الجديد)

اقــرأ أيضاً

رسائل العتيبة: استراتيجية التحريض

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا