تجاذب الأضداد والكيمياء في “العلاقة الخاصة” بين واشنطن ولندن

لندن ــ نواف التميمي

تكتسي زيارة رئيسة الحكومة البريطانية، تيريزا ماي، إلى الولايات المتحدة، والاجتماع مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أهمية كبيرة للندن، التي تهدف لوضع العلاقة مع واشنطن على طريق التحالف، وليس التبعية، بالإضافة لإعادة الحرارة إلى العلاقة بعد فترة من الإهمال.

في دلالة لافتة لاهتمام الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بعلاقات الولايات المتحدة مع بريطانيا، أوعز الرئيس، بعد ساعات من تسلمه مفاتيح البيت الأبيض، بإعادة التمثال النصفي لرئيس الوزراء البريطاني الراحل، ونستون تشرشل، إلى المكتب البيضاوي، بعد أن تمت إزالته في العام 2009 بإيعاز من الرئيس السابق، باراك أوباما. خطوة ترامب اللافتة تنطوي على رسالة إعادة اعتبار لزعيم بريطاني، يحفظ التاريخ له وصفه علاقات بريطانيا والولايات المتحدة، في خطبته الشهيرة في العام 1946، بـ”العلاقة الخاصة“، وهو التعبير الذي أطلقه بوحي من تحالف البلدين في قتال ألمانيا النازية ومواجهة الاتحاد السوفييتي. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت كلمات تشرشل لازمة يكررها ويؤكد عليها ساسة البلدين في واشنطن ولندن. غير أن تقلد ترامب، الآتي من خارج المؤسسة السياسية التقليدية، مقاليد الحكم في واشنطن، دفع الكثير من المراقبين للتساؤل بقلق عن مصير “العلاقة الخاصة”. وربما هذا القلق هو ما عجل بزيارة رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، إلى واشنطن للقاء ترامب، ووضع النقاط على حروف “العلاقة الخاصة” التي أصابها بعض الجفاء خلال السنوات الماضية.

ولطالما كانت الشخصيات، والكيمياء الشخصية، جزءاً هاماً في مسار العلاقات البريطانية الأميركية، التي بلغت أوجها في عهدي تشرشل والرئيس الأميركي الراحل، فرانكلين روزفلت، المتحالفين في الحرب ضد هتلر. وقد عبر تشرشل عن قوة وشفافية تلك العلاقة عندما حل ضيفاً على روزفلت، وفي اليوم التالي فتح باب غرفته لاستقبال مضيفه عارياً، وقال ضاحكاً: “كما ترون، السيد الرئيس، ليس لدي أي شيء لأخفيه عنكم”. وما إن تراجعت هذه العلاقات في خمسينيات القرن الماضي مع عدم الانسجام بين رئيس الوزراء البريطاني، أنتوني إيدن، والرئيس الأميركي، دوايت أيزنهاور، بسبب ملابسات العدوان الثلاثي على مصر، حتى عادت “العلاقة الخاصة” إلى حميمية بين رفقاء الروح الأيديولوجية المحافظة مارغريت تاتشر، والجمهوري رونالد ريغان، اللذين ركبا الخيول وعربات الغولف معاً. كما شهدت العلاقات الأميركية البريطانية فترة من التقارب الشديد في نهاية القرن الماضي، خلال عهدي توني بلير، وجورج بوش الابن، وذهاب الإثنين معاً إلى غزو أفغانستان والعراق، في علاقة شبهها بعض الإعلام البريطاني آنذاك بعلاقة “الكلب والذيل”.

وإدراكاً منها لأهمية العلاقة الشخصية، كمفتاح في “العلاقة الخاصة” بين البلدين، استهلت ماي زيارتها إلى الولايات المتحدة بالحديث عن إمكانية بناء علاقة شخصية قوية مع ترامب، معتبرة أن نقاط التفاوت والتباين بين الشخصيتين قد تكون جيدة، لأن “الأضداد تتجاذب في بعض الأحيان” على حد تعبيرها. واختارت ماي أن تكون علاقتها مع ترامب بهدف “تعميق الروابط، والوقوف بقوة معاً للدفاع عن قيمنا ومصالحنا والأفكار نفسها التي نؤمن بها”، لا على غرار “العلاقة الخاصة” التي قامت بين توني بلير وجورج دبليو بوش، لأن “أيام تدخل بريطانيا وأميركا في البلدان ذات السيادة في محاولة لإعادة تشكيل العالم كما نريد انتهت”. وبعيداً عن “الكيمياء الشخصية” بين رجل البيت الأبيض الجديد، وسيدة “10 داوننغ ستريت”، رسمت تيريزا ماي، فور وصولها إلى الأراضي الأميركية، وقبل اجتماعها مع ترامب، ملامح “العلاقة الخاصة” بين البلدين خلال السنوات الأربع المقبلة، وأكدت، لحشد من أعضاء الحزب الجمهوري في فيلادلفيا، على أهمية حلف شمال الأطلسي، إذ تخشى لندن من أن تقوض سياسة ترامب جوهر حلف شمال الأطلسي، القائم على أساس أن أي هجوم على عضو واحد هو هجوم على الجميع. فمن وجهة نظر الرئيس الأميركي فإن الولايات المتحدة تتحمل العبء الأكبر من نفقات الحلف، وهو أمر مرهق للاقتصاد الأميركي، وأن على الدول الأوروبية أن ترفع نصيبها لتحمل هذه الأعباء. وتتعاظم مخاوف الأعضاء الأوروبيين في الحلف، بسبب تزامن فوز ترامب مع تزايد التدخل الروسي في دول البلطيق.

وبخصوص العلاقة مع روسيا، ظهرت ماي وكأنها تحاول جسر الهوة بين موقف بلادها، وموقف إدارة ترامب، عندما قالت “في كثير من الأحيان يكون من الحكمة أن نحذو مسار الرئيس ريغان، الذي التزم، خلال المفاوضات مع نظيره ميخائيل غورباتشوف، بالقول المأثور: ثق ولكن تحقق. وبالتالي يمكن التعامل مع (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين، ولكن مع حذر”. وأضافت “يجب علينا بناء العلاقات التي تجعل التعاون أقرب من الصراع”. كما اقتربت ماي إلى حد ما من رؤية ترامب بخصوص إيران، إذ دعت “إلى ضرورة أن يكون الحد من النفوذ الإيراني الخبيث في الشرق الأوسط أولوية في السياسة الخارجية، لوقف جهود إيران العدوانية في بناء قوس النفوذ، من طهران وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط”. ومع ذلك احتفظت ماي بمسافة بين موقف كل منهما من الاتفاق النووي مع إيران. فبينما تعتبر بريطانيا الاتفاق النووي إنجازاً يجب مراقبة تنفيذه بصرامة، يرى ترامب أن الاتفاق أعطى طهران ما لا تستحق، مع التلويح بإمكانية إعادة فتح باب التفاوض بخصوص البرنامج النووي الإيراني. أما في الملف السوري، فيبدو أن رئيسة الوزراء تركت لوزير الخارجية في الحكومة البريطانية، بوريس جونسون، مسؤولية تضييق الفجوة بين موقفي واشنطن ولندن. وقال جونسون، أول من أمس: “علينا أن نعيد النظر في كيفية تعاملنا” مع الأزمة في سورية، عبر التحالف مع روسيا والقبول ببقاء رئيس النظام بشار الأسد في الحكم. وفي ذلك انعطافة بريطانية لافتة باتجاه رؤية الرئيس الأميركي، الذي لطالما عبر عن استعداده للتحالف مع روسيا، وبالتالي مع الأسد، لهزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش).

ورغم أهمية الملفات السياسية التي تحملها تيريزا ماي إلى ترامب، إلا أن الهم الاقتصادي يبقى على رأس أولويات الأجندة البريطانية. وعلى الرغم من تأكيد ترامب وضع بريطانيا في “رأس طابور” العلاقات الاقتصادية والتجارية للولايات المتحدة، لتعويضها عن خسارة علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي بعد “بريكسيت”، إلا أن الأوساط السياسية والاقتصادية البريطانية تخشى الشعارات الحمائية التي أعلنها ترامب خلال الحملات الانتخابية. والولايات المتحدة أكبر شريك للصادرات من المملكة المتحدة، وثالث أكبر مصدر للواردات، بعد ألمانيا والصين. ويتجاوز حجم التجارة بين البلدين 180 مليار دولار أميركي سنوياً، كما أن ‏الولايات المتحدة أكبر مصدر للاستثمار في المملكة المتحدة. وتتخوف الأوساط البريطانية من أن تؤثر سياسات ترامب “الانعزالية” سلباً على وتيرة نمو الاقتصاد العالمي، ما ينعكس على أداء الاقتصاد البريطاني. وبالنظر إلى شكل وجوهر زيارة رئيسة وزراء بريطانيا إلى الولايات المتحدة، يبدو أن ماي عمدت إلى التأكيد على ثلاثة ثوابت، أولها أن “العلاقة الخاصة” مع الولايات المتحدة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لتوجيه القيم والمصالح المشتركة لصالح بريطانيا، والأمر الثاني هو أن أفضل مدخل لإعادة الدفء للعلاقات، بعد فترة من الإهمال في أعوام حكم أوباما، هو التركيز على التفاهم الشخصي الذي يهتم به ترامب. والأمر الثالث، بحسب صحيفة “التايمز”، هو أن العلاقة بين البلدين تقوم على التحالف كما كانت في عهد تشرشل — روزفلت، لا على الخضوع والتبعية، كما كانت في عهد بلير — جورج بوش الابن.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.