تسمم تلاميذ سوهاج… شركة مملوكة للجيش ورّدت الوجبات المدرسية

لم يتمالك الثلاثيني المصري مصطفى كامل، مشاعره لدى علمه بإصابة ابنته أميرة وشقيقها محمد، بتسمم غذائي إثر تناولهم وجبة التغذية المدرسية، ما أدى إلى نقلهم عبر سيارة الإسعاف، إلى واحدة من المشافي الحكومية الأربعة، التي استقبلت 2262 تلميذا مصابا بالتسمم ينتمون إلى ثماني مدارس تابعة لمركز أخميم بمحافظة سوهاج جنوب القاهرة، بحسب إحصاء صادر عن وزارة الصحة التي رفعت استعداداتها بمستشفيات سوهاج إلى “الدرجة القصوى” ودفعت بخمسين سيارة إسعاف لنقل التلاميذ المصابين، وفقا لإفادة صادرة عن خالد مجاهد المتحدث باسم الوزارة.

داخل المشافي التي نقل إليها المصابون في 14 مارس/آذار الماضي، تجمهرت عائلات الضحايا وأولياء الأمور كما يروي كامل، الذي بدا على ملامحه الغضب الشديد، متساءلا وهو يضرب كفيه ببعضهما “كيف يمكن أن يصل الفساد إلى مقاعد دراسة الأطفال الأبرياء، هل توفير وجبة تغذية مدرسية سليمة صعب إلى هذه الدرجة؟”.

تضمنت وجبة التغذية، والحديث لكامل، قطعة حلاوة طحينية وقطعتي جبن ورغيفين من الخبز، ولا يتم استلام الوجبة إلا بموجب إفراج صحي من وزارة الصحة يفيد بصلاحية الوجبة للتوزيع، بحسب ما تشترطه خطة التغذية المدرسية المعلن عنها مطلع سبتمبر/أيلول الماضي لدى بداية العام الدراسي الجاري.

اقــرأ أيضاً

صفقات الجيش المصري الاقتصادية.. تدمير الصناعة وتشريد العمالة

من أين جاءت وجبة التغذية؟

كشفت مصادر متطابقة في وزارتي التربية والتعليم والصحة، لمعد التحقيق، أن وجبات التغذية المدرسية التي تسببت في تسمم التلاميذ، تم توريدها إلى الوزارة عبر شركة “كوين سرفيس” المملوكة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، وأكدت المصادر التي رفضت الكشف عن هويتها حفاظاً على أمنها الشخصي، أن مخازن الشركة في طما بمحافظة سوهاج، ورّدت وجبات التغذية، والتي لا يتم توزيعها على الطلاب إلا بعد الحصول على إذن خروج من معامل وزارة الصحة ومخازن التغذية المدرسية التابعة لوزارة التربية والتعليم، وهو ما يؤكده وكيل وزارة التربية والتعليم بمحافظة سوهاج، محمد حسام، الذي أصدر تعليمات للمدارس بعدم صرف الوجبة المدرسية حتى يتم الانتهاء من فحص العينة التي تم الحصول عليها بمعرفة وزارة الصحة.

وتقر راندا حلاوة، رئيس الإدارة المركزية لمعالجة التسرب التعليمي، بتعاقد وزارة التربية والتعليم مع جهاز الخدمة الوطنية لتوريد وجبات التغذية المدرسية خلال العام الدراسي الحالي 2016 /2017، وقالت في تصريحات تلفزيونية عقب الحادث إن الوزارة اتفقت مع جهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة على مواصفات مكونات الوجبات الغذائية، والتي يتم توزيعها على المدارس الحكومية التابعة للوزارة لمرحلة رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية، عن العام الدراسي الحالي 2016 /2017.

وشارك “جهاز الخدمة الوطنية” في تصنيع الوجبة المدرسية خلال العام الماضي، في ستّ محافظات، بحسب بيان سابق صادر عن وزارة التربية والتعليم في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وأكدت الوزارة في بيانها أن جهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة المصرية، يقوم بتوفير البسكويت والوجبة الجافة، أما “الفطيرة” فينتجها المشروع الخدمي بوزارة الزراعة.

وتوزع المدارس الحكومية وجبة مكونة من قطعتين من الجبن، وقطعة حلاوة طحينية، ورغيفين من الخبز، لمدة يومين، فيما توزع البسكويت في يومين آخرين، وفي اليوم الخامس فطيرة من إنتاج وزارة الزراعة.

وتنفي وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي علاقتها بحالات التسمم التي أصيب بها التلاميذ مؤكدة في بيان رسمي، أن: “حالات التسمم التي أصيب بها عدد من التلاميذ بمركز اخميم في محافظة سوهاج، ليس لها أي علاقة بالمشروع الخدمي للتغذية المدرسية التابع لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي”.

وأشارت الوزارة إلى اتباعها كافة معايير سلامة الغذاء والأمان، والإشراف الدقيق على كافة مراحل الإنتاج، من اللجان المعنية بذلك، ولفتت إلى أن منتجها (فطير بالعجوة)، يتم صناعته باستخدام خامات مطابقة للمواصفات القياسية، مشيرة إلى أن هناك لجنة ثلاثية من مندوبي مديريات التربية والتعليم، الصحة والتموين لمتابعة جودة الخامات والمنتج النهائي قبل التوزيع اليومي، إذ تتم عمليات التغليف بشكل آلي، ثم نقلها للمدارس مباشرة وتوزيعها خلال اليوم الثاني، بما يضمن وصولها طازجة وصالحة للاستهلاك”.

وتناول التلاميذ يوم إصابتهم وفقا لجولة ميدانية وشهادات أولياء أمور المصابين، الوجبة التي توردها شركة “كوين سرفيس” التابعة لجهاز الخدمة الوطنية.

“كوين سرفيس” ذراع الجيش الخدماتية

تأسست شركة النصر للخدمات والصيانة (كوين سرفيس) والتي قامت بتوريد الوجبات الغذائية، عام 1988 طبقاً لأحكام القانون 159 لسنة 88 ولائحته التنفيذية، وتعد الشركة إحدى شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية / وزارة الدفاع، وفقا لتعريفها على موقعها الإلكتروني الرسمي.

وحسب موقع الشركة فإنها تعمل بالأساس في مجال خدمات الأمن والحراسة، ولكن إضافة إلى ذلك فإنها تقوم بأعمال التوريدات العمومية والغذائية المحلية والمستوردة للهيئات والإدارات والمصالح الحكومية وجميع الفنادق والمستشفيات المدنية والعسكرية ودور الأسلحة للقوات المسلحة، وكذلك تنفيذ أعمال النظافة والتطهير ومكافحة الآفات والقوارض، كما تقوم بإدارة وتشغيل الحضانات للأطفال الصغار.

اقــرأ أيضاً

“العربي الجديد” يكشف: إمبراطورية الشرطة المصرية الاقتصادية

حوادث تسمم متكررة

لا تعد حادثة تسمم طلاب محافظة سوهاج، فريدة من نوعها، إذ رصد معد التحقيق مائة حالة تسمم غذائي بسبب الوجبة المدرسية في خمس محافظات، بسبب الوجبة الجافة والبسكويت (توردها شركة كوين سرفيس)، من بينها ما جرى في 8 مارس الماضي، إذ وقعت حالات تسمم بمدرسة تابعة لإدارة طما التعليمية بمحافظة سوهاج، نتيجة تناول التلاميذ الوجبة المدرسية، كما أصيب 14 طالبا من مدرسة مجمع نجع سبع الابتدائية التابعة لإدارة أسيوط التعليمية، بتسمم غذائي عقب خروجهم من المدرسة إثر تناولهم وجبة البسكويت التي يتم توزيعها عليهم في المدرسة، وفقاً لبيان صادر عن وزارة التربية والتعليم.

وقبل أسبوعين أصيب 11 طالبا بمدرستي عاقولة الابتدائية، والشيخ شبيكة، بمركز ملوي في المنيا، بتسمم، إثر تناولهم الوجبة المدرسية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أعلنت وزارة الصحة عن الاشتباه في إصابة 139 تلميذا بمدرسة في محافظة البحيرة بتسمم غذائي. وفي 28 فبراير/ شباط الماضي، شهدت محافظة الشرقية، وقوع حادث تسمم لـ56 من الطلاب بالمدرسة الابتدائية بالعباسة التابعة لمركز أبو حماد، بسبب البسكويت الذي يوزع في المدارس.

تراجع ميزانية التغذية المدرسية

تبلغ تكلفة الوجبات المدرسية للعام الجاري، ملياراً ومائة مليون جنيه (الدولار يساوي 17 جنيها تقريبا) وتقدم على مدار 150 يومًا هي عدد أيام السنة الدراسية، حسب ما أعلنت وزارة التربية والتعليم، ويساهم برنامج الغذاء العالمي بمبلغ 13 مليون يورو لتوزيع الوجبات المدرسية للعام الدراسى الحالي والمقبل، ويدعم البرنامج مشروع التغذية المدرسية الوطني منذ عام 1968.

وتراجعت ميزانية التغذية المدرسية للعام الدراسي الجاري مقارنة بالعام الدراسي 2014 /2015، والذي وصلت فيه إلى مليار و400 ألف جنيه، منها 800 مليون جنيه من الدولة، وما يقرب من 60 مليون يورو منحة خارجية من برنامج الغذاء العالمي، وفق بيانات وزارة التربية والتعليم المصرية، فيما بلغت تكلفة برنامج التغذية المدرسية في عام 2015 /2016 مبلغ 957 مليوناً و821 ألف جنيه.

رداءة التصنيع والتخزين

تكشف مصادر في وزارة التربية والتعليم المصرية، عن رداءة حالة المخازن التي يتم وضع وجبات التغذية المدرسية فيها، إذ تفتقد إلى نظام تهوية مناسب، ما دفع الوزارة بعد حادث تسمم “تلاميذ سوهاج” إلى الإعلان عن إعدام مليوني عبوة غذائية كان من المفترض تسليمها للتلاميذ خلال الأيام القادمة، بعد أن اكتشف أنها غير صالحة للاستخدام الآدمي.

وتصنف المصادر محتويات وجبات التغذية المدرسية بـ”الدرجة الثالثة”، وهو ما يؤدي إلى تكرار حوادث تسمم التلاميذ سنوياً، ويفسر أستاذ التغذية بالمركز القومي للبحوث محمد مسعود تكرار حالات التسمم، بسبب طرق حفظ الوجبات غير السليمة، مطالباً وزارة الصحة بالقيام بدورها من خلال الكشف الدوري على الوجبات في مرحلة الإنتاج والتصنيع، أو في مرحلة التغليف والتخزين، مؤكدا أن مخازن الأغذية الموجودة بالمنشآت التعليمية غير الصحية، خطر يهدد حياة التلاميذ، إذ تفتقد إلى أنظمة التهوية التي تمنع تكاثر الميكروبات والطفيليات، ودعا وزارة التربية والتعليم إلى تصميم مطاعم داخل المدارس لتقديم الوجبات الساخنة للطلاب، إذ تعد الأفضل من حيث القيمة الغذائية. 

وطالب مسعود بضرورة العمل على كشف حقيقة وسبب تسمم الطلاب المتكرر في طول البلاد وعرضها.

اقــرأ أيضاً

إمبراطورية الجيش المصري (2–2)..سيطرة عسكرية على الثروة السمكية

لجنة تقصي حقائق

عقب الحادث، طالب نواب البرلمان المصري عن محافظة سوهاج، بتشكيل لجنة تقصي حقائق تكشف حقيقة وسبب تكرار وقائع التسمم في المدارس، وأحدثها واقعة التسمم في مدارس بساقلتة وأخميم بسوهاج، ومن بين هؤلاء النائب عن دائرة جهينة (سوهاج)، خالد صالح أبو زهاد، والذي تقدم ببيان عاجل موجه إلى وزير التربية والتعليم، قائلا “الفساد وصل إلى مستويات غير مسبوقة ولم يرحم حتى أطفال المدارس”.

القاهرة — العربي الجديد

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا