تسويق روسي لمخرجات أستانة: مرجعية جديدة للحل السوري

محمد أمين

لا يمكن فصل التحركات والمواقف الروسية المتسارعة عن محاولتها تسويق مخرجات مؤتمر أستانة حول سورية وتحويلها إلى مرجعية جديدة للحل السوري قبل جولة المفاوضات السياسية المرتقبة في جنيف الشهر المقبل، مستفيدة من التفاهم مع تركيا على أسس تسوية القضية.

توحي التصريحات والتحركات الروسية المتلاحقة التي أعقبت انتهاء مؤتمر أستانة السوري، بوجود خطة من موسكو لاستثمار نتائج المؤتمر إلى الحد الأقصى، والبدء في تطبيق بنود البيان الختامي الصادر عن الدول الثلاث الراعية له، تركيا وروسيا وإيران، سواء السياسية والعسكرية في أقرب فرصة. وظهر “التسويق” الروسي بوضوح بتصريحات الرئيس فلاديمير بوتين أمس الأربعاء، وتأكيده أهمية مؤتمر أستانة لتسوية القضية السورية وتشكيله أساساً لمفاوضات جنيف المرتقبة في فبراير/شباط المقبل، فضلاً عن الدعوة التي تلقتها شخصيات وقوى محسوبة على المعارضة للقاء وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، غداً الجمعة، بهدف تسويق البيان واعتماده مرجعاً لمفاوضات جنيف برعاية الأمم المتحدة.

وتستفيد روسيا من الارتياح التركي للتطورات ومن بدء فصائل المعارضة السورية التعاطي معها، ولو بحذر، على أنها طرف “ضامن لوقف إطلاق النار”، ولا سيما أن المعارضة، وإن لم تكن راضية بالمطلق عن نتائج أستانة، إلا أنها لم تخرج خاسرة بعدما استطاعت تثبيت نقاط في المؤتمر تعد بمثابة “خطوط حمراء” لا يمكن تجاوزها، تحديداً لجهة المظلة الدولية لأي تسوية نهائية ودائمة، ورفضها الوصاية الروسية على سورية الدولة والوطن، والذي تجلى في رفضها استلام مسودة دستور لسورية كتبها خبراء قانونيون روس، قُدمت لها خلال مفاوضات أستانة.

ولم تكد تمر ساعات على انتهاء المؤتمر حتى كان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، يعلن عن دعوة كل المعارضين الذين يرغبون في القدوم من المعارضة السياسية إلى موسكو غداً الجمعة، “لإبلاغهم بما جرى في أستانة ورؤيتنا لتطوير إيجابي لعملية أستانة في المستقبل”، أي عملياً “تسويق” البيان الختامي للمؤتمر وضبط إيقاع التيارات والمنصات التي تتقاطع مع موسكو في الرؤية قبيل الاستحقاق الأبرز وهو الجولة المقبلة من مفاوضات جنيف الشهر المقبل. وجاءت هذه الدعوة في الوقت الذي كان بوتين يعرب، خلال اجتماعه بالعاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، أمس الأربعاء، عن أمله بأن تكون مباحثات أستانة قاعدة لمفاوضات جنيف، مشيراً إلى أنه من المهم جداً أن أطراف النزاع في سورية توصلوا خلال مباحثات أستانة إلى أنه لا حل عسكرياً للأزمة في البلاد. في موازاة ذلك، كان المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف قد ألمح إلى أنه من المحتمل إجراء المزيد من المحادثات في المستقبل إذا تطلب الأمر، ولفت إلى أن محادثات أستانة قد تساعد في دفع المفاوضات المتعثرة بوساطة الأمم المتحدة في جنيف.

الارتياح لنتائج المحادثات بدا أيضاً أنه انسحب على تركيا، إذ أكّد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، أمس الأربعاء، أنّ من أهم أهداف بلاده على الصعيد الخارجي، إحلال السلام في سورية ودول الجوار، وإتاحة الفرصة لعودة ملايين السوريين إلى بلادهم. وعن صحة السياسة التي تتبعها تركيا تجاه الملف السوري، قال يلدريم إنّ “الذين لم يدرجوا تركيا في حساباتهم قبل عام بخصوص الأزمة السورية، نراهم اليوم يعملون وفق ما تقوله أنقرة وهذا دليل قوتنا وقوة شعبنا والإدراك العميق الذي يتحلّى به رئيس بلادنا رجب طيب أردوغان”. وسبق تصريحات يلدريم، إعلان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أن المحادثات التي جرت في أستانة بهدف إيجاد حل سياسي للأزمة السورية، كانت ناجحة. كما كانت لافتة إشادة وزير الخارجية التركي، بموقف المعارضة السورية، قائلاً “لقد أظهرت فصائل المعارضة موقفاً ناضجاً جداً في أستانة، كما في جنيف في وقت سابق، من خلال إبداء أفكارها حول مستقبل سورية”. واعتبر أن “مباحثات أستانة نقطة تحول في مسار مشاورات جنيف.

في غضون ذلك، أكد عبد الحكيم رحمون، الذي مثّل “جيش النصر” في وفد المعارضة إلى أستانة، في حديث مع “العربي الجديد”، أنّ “الوفد الممثل لفصائل المعارضة المسلحة، أخبر الجانب الروسي، بعدم مجيئه لأستانة من أجل البحث في شكل وهوية الحكم، في سورية المستقبل، ورفض في الوقت نفسه، تسلّم مسودة دستور أعدتها موسكو”. وأوضح أن “الوفد حضر مفاوضات أستانة من أجل تثبيت وقف إطلاق النار في كامل الأراضي السورية، ما عدا المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وفك الحصار عن المناطق التي يحاصرها النظام ومليشياته، وإدخال المساعدات الإنسانية”.

وشدد رحمون على أن “شكل الحكم في سورية المستقبل يحدّده الشعب السوري بعد تحقيق الانتقال السياسي. من جهته، أشار عضو وفد الفصائل المفاوض مصطفى معراتي إلى أن أي جهة في العالم لا تملك حق فرض دستور على السوريين، مضيفاً في حديث مع “العربي الجديد” بعد عودته من أستانة أن “الدستور يكتبه ويقرّه الشعب السوري بعد تهيئة الظروف لذلك”. وكشف معراتي عن أن وفد المعارضة سلّم الجانب الروسي ورقة تتضمن آلية لوقف إطلاق النار، إضافة الى الجوانب الإنسانية بما فيها إطلاق المعتقلين من سجون النظام، وفي المقدمة آلاف النساء. وأشار إلى أن الجانب الروسي أكد أنه ستتم مناقشة الورقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على أن تتلقى المعارضة رداً عليها قبل السادس من شهر فبراير/شباط المقبل.

وحول مشاركة وفد الفصائل في مفاوضات جنيف المقرر عقد جولة جديدة منها في الثامن من الشهر المقبل، أكد معراتي أن الفصائل العسكرية “تكمل الهيئة العليا للمفاوضات”، مضيفاً “إذا كان ضرورياً أن نشارك، سنشارك، ولكن الشأن السياسي خاص بالهيئة العليا للمفاوضات”. ومن المنتظر أن تعقد الهيئة اجتماعات بمقرها في العاصمة السعودية الرياض خلال الأيام القليلة القادمة وفق تأكيد المتحدث باسمها، رياض نعسان آغا، للبحث في الاستعدادات لجولة مفاوضات جنيف القادمة. وأكد نعسان آغا لـ “العربي الجديد” أنه “إذا تمكنت روسيا من تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار وإطلاق سراح المعتقلات، يمكن رؤية شيء من إيجابيات مؤتمر أستانة”. وأضاف “ما تم في المؤتمر تفاهمات، ووعود نرجو أن يتم تنفيذها”.

لقاء موسكو
وفور انتهاء مؤتمر أستانة، دعت روسيا العديد من الشخصيات السورية المقربة منها والموزعة في العديد من منصات معارضة، لاجتماع مفترض عقده في موسكو غداً الجمعة لوضع هذه الشخصيات بصورة ما جرى في أستانة في محاولة لـ”تسويق” البيان الثلاثي الذي صدر في أعقاب المؤتمر، لاعتماده مرجعاً في جولة جنيف المقبلة و”لضبط إيقاع هذه القوى قبيل جولة جنيف المرتقبة”. وقلل نعسان آغا من أهمية اجتماع موسكو، مشيراً إلى أنه “لقاء عادي وإجرائي، تقوم به موسكو منذ سنوات”، فيما أكدت مصادر مطلعة أن المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات رياض حجاب، رفض الدعوة الروسية لحضور اجتماع موسكو، كما رفضها معاذ الخطيب، وهيثم مناع.

كما أشارت مصادر “العربي الجديد” إلى أن رئيس الائتلاف الوطني السوري، أنس العبدة تلقّى دعوة للاجتماع مع عضو الائتلاف هادي البحرة، ولكن لم يعلنا بعد رفضاً أو قبولاً، فيما أفادت وكالة “فرانس برس” بأن ممثلي عدد من فصائل المعارضة التي تسيطر على مناطق في سورية أكدوا أنهم لم يتلقوا دعوات لمحادثات في موسكو، لكنهم مستعدون للتوجه إلى العاصمة الروسية إذا تلقوا هذه الدعوات.

في المقابل، أكدت أطراف عدة موافقتها على حضور المؤتمر، إذ أشار مصدر مقرب من رئيس هيئة التنسيق الوطنية (إحدى مكونات الهيئة العليا للمفاوضات)، حسن عبد العظيم، إلى موافقة الأخير على الذهاب إلى موسكو. من جهته، أفاد المتحدث باسم تيار “الغد السوري”، منذر آقبيق، بتلقي رئيس التيار أحمد الجربا دعوة رسمية لحضور اجتماع موسكو. وأضاف آقبيق، في حديث مع “العربي الجديد”: “لا نزال ندرس الأمر”. وعلم “العربي الجديد” من مصادره أن جهاد مقدسي، وجمال سليمان من “منصة القاهرة” وافقا على الدعوة الروسية. كما تشارك رندة قسيس من “منصة أستانة”، وميس كريدي من “منصة حميميم”، إضافة الى قدري جميل متزعم “جبهة التغيير” وهو من أكثر الشخصيات قرباً من روسيا، ويمثل “منصة موسكو”. كما يشارك في الاجتماع لؤي حسين رئيس “تيار بناء الدولة”، وشخصيات أخرى متهمة بأنها “صنيعة النظام”، ستأتي من دمشق، إضافة إلى ممثلين لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي تتهمه أنقرة بكونه الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، وتصنّفه ضمن خانة التنظيمات الإرهابية، وهما خالد عيسى، وآسيا العبدالله.

ولم تنجح موسكو بعد في ردم هوة بينها وبين مرجعيات الثورة والمعارضة السورية الأساسية، ولا سيما الائتلاف الوطني السوري، والهيئة العليا للمفاوضات، على الرغم من تلمّس المعارضة لـ”تغيير” في الموقف الروسي وفق مصادر في وفد الفصائل إلى أستانة، تحديداً لجهة سعيها إلى إيجاد حل سياسي لا ترجح فيه كفة النظام وحليفته البارزة إيران. وأكدت المصادر أن الجانب الروسي كان “إيجابياً” في مفاوضات أستانة وأظهر تفهماً لمطالب وفد الفصائل بشأن الضغط على النظام لإيقاف خرق اتفاق وقف إطلاق النار. كما توقعت المصادر تفاقم الخلاف الروسي الإيراني في الفترة المقبلة، وهو، بحسب وجهة نظر المصادر، ما قد يؤدي دوراً في الحد من محاولات طهران فرض هيمنة مطلقة على سورية”. وأشارت المصادر إلى أن الأيام القليلة المقبلة “هي الفيصل في تأكيد رغبة الروس وجديتهم في وضع حد لعنف النظام، لتمهيد الطريق أمام عملية سياسية حقيقية تفضي إلى تسوية”.

مسودة الدستور
على الرغم من أن السلطات الروسية لم تنشر مسودة دستور أعده خبراء روس لسورية، ورفضت المعارضة استلامه، الا أن الكاتب والأكاديمي السوري، المقيم في موسكو، محمود الحمزة نشر على صفحته في موقع “فيسبوك” ما قال إنه أبرز بنود المسودة الروسية، مؤكدا لـ”العربي الجديد” أن مسودة الدستور الروسي لسورية تتضمنها بالفعل. بدوره، أكد الحمزة لـ”العربي الجديد” أن بنود مسوّدة الدستور الروسي لسورية التي نشرها تتضمن “شطب اسم “الجمهورية العربية السورية”، وتستبدله بـ”الجمهورية السورية”، كما أنها تلغي الإشارة إلى أن “الفقه الإسلامي مصدر للتشريع”، وتدعو إلى تطبيق مبدأ “لا مركزية السلطات”، وتساوي بين اللغتين العربية والكردية في مناطق شمال سورية. كذلك تنص المسودة على “تطبيق مبدأ “لا مركزية السلطات”… واستبدال “جمعية المناطق” بدلاً من “الإدارات المحلية” في شكلها الحالي بصلاحيات موسعة “تقيّد مركزية السلطات”.

وتنص المسوّدة في أبرز بنودها على حق “جمعية الشعب” (البرلمان) تعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا (من صلاحيات الرئيس في الدستور الحالي)، وتعيين رئيس “البنك الوطني” (تغيير اسم البنك المركزي) وإقالته من المنصب. وتلغي المسوّدة الروسية التقسيم السائد لعضوية مجلس الشعب: نصف الأعضاء من فئة العمال والفلاحين، والنصف الآخر من باقي الفئات.

وتشترط المسوّدة أن يكون المرشح لرئاسة الجمهورية قد أتم الأربعين عاماً من عمره، وأن يكون متمتعاً بالجنسية السورية، أي شُطبت عبارة إضافية من الدستور السابق بأنه يجب أيضاً أن يكون من “أبوين متمتعين بالجنسية السورية بالولادة”، وأن “لا يكون متزوجاً من غير سورية”. وبحسب المسوّدة، يُنتخب الرئيس لمدة سبعة أعوام ولا تجوز إعادة انتخاب الشخص نفسه إلا لولاية واحدة تالية. ويؤدّي الرئيس المنتخب القسم الدستوري أمام أعضاء جمعيتي الشعب والمناطق. وتنص المسودة على أن يتولّى الرئيس “مهمة الوساطة بين سلطات الدولة وبين “الدولة والمجتمع”، حيث لا يلحظ المشروع أي سلطات تشريعية للرئيس. وتخضع له — وفق المسوّدة — القوات المسلحة ويتولّى مهمات القائد الأعلى للقوات المسلحة، وفي حال العدوان أو الخطر بالعدوان يحقّ له اتخاذ الإجراءات للتصدي له و”يبلغ بها جمعيتي الشعب والمناطق”. وأكد الحمزة أن المسوّدة تنصّ على حق الرئيس “إعلان التعبئة العامة ويطرح إلى جمعية المناطق الموافقة على إعلانها، كما يحق له إعلان حالة الطوارئ بالموافقة المسبقة لجمعية المناطق”. وتتولّى جمعية المناطق مهمات رئيس الجمهورية في حال الشغور الرئاسي أو عجز الرئيس عن تأدية مهماته، بعد إثبات عجز رئيس مجلس الوزراء أيضاً عن ذلك. كذلك تتضمّن المسوّدة مهام مجلس الوزراء، إذ أعطته صلاحيات جديدة ليست موجودة في الدستور الحالي، من قبيل عقد معاهدات واتفاقيات، على أن يتم تعيين نواب رئيس مجلس الوزراء والوزراء على أساس التمثيل النسبي لجميع الأطياف الطائفية والقومية لسكان سورية، وتُحجز بعض المناصب للأقليات القومية والطائفية. وتشمل بنوداً تتعلّق بالمحكمة الدستورية العليا، وانتخابات جمعيات المناطق، ودور القوات المسلحة، إذ أشارت إلى أن الأخيرة يجب أن “تكون تحت الرقابة من قبل المجتمع ولا تتدخل في مجال المصالح السياسية ولا تؤدي دوراً في عملية انتقال السلطة، ويحرم تنظيم أعمال عسكرية أو ذات طابع عسكري خارج سلطة الدولة”. كذلك بيّن الحمزة أنّ مسوّدة الدستور غيّرت القسم الدستوري، إذ تم إسقاط القسم بلفظ الجلالة، أو أي إشارة قومية عربية أو اشتراكية. وأوضح أن المسوّدة “تُظهر نزوعاً كبيراً نحو الاقتصاد الحر، بتأكيد إحدى المواد أن سورية تُؤمّن حرية النشاط الاقتصادي وتعترف بالملكية الخاصة… وتخلق الدولة على أساس علاقات السوق ظروفاً لتطوير الاقتصاد وتضمن حرية الأعمال… وتضمن حرية تنقل البضائع والرساميل… وأن الموارد الطبيعية يملكها الشعب”.

One clap, two clap, three clap, forty?

By clapping more or less, you can signal to us which stories really stand out.