تعقيدات الحرب الإلكترونيّة ضد “داعش”

في وقت تمارس فيه أوروبا المزيد من الضغوطات على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل لجم رسائل الدعاية والتجنيد التي يشنها تنظيم “داعش” في منصاتها، يبدو أن أميركا تعاني أكثر من غيرها في هذه الحرب، فقد نجحت كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا فعلاً في انتزاع جهود جديدة من كل من “فيسبوك” و”تويتر” و”غوغل” في سبيل تشكيل سد ضد دعايات المتطرفين، لكن القوة العسكرية الأميركية لا تزال غير قادرة على بذل الكثير. 
ونشرت صحيفة “نيويورك تايمز” ورقة تحليلية تناقش مدى فشل السلطات الأميركية، وعلى رأسها البنتاغون، في هزيمة تنظيم “داعش”، في العالم الافتراضي. وأعادت الصحيفة التذكير بأن ذلك يأتي في وقت استطاعت فيه المؤسسة تحقيق نجاحات متفاوتة، إذ قامت الولايات المتحدة، في السنوات الأخيرة، بتطوير صفوف المحاربين السيبرانيين السريين، واختراق أجهزة الطرد المركزي النووية في إيران، ثم تحوّلت إلى الحرب الإلكترونية لتخريب إطلاق الصواريخ في كوريا الشمالية، وحققت نتائج متباينة، لكن مع داعش تبدو النتائج مخيبة للآمال. 
وتقول الصحيفة إن البنتاغون، ومنذ بدأ تدريب ترسانته من الأسلحة السيبرانية على هدف بعيد المنال، وهو الإنترنت المستخدم من قبل داعش، جاءت النتائج مخيبة للآمال، وفق المسؤولين الأميركيين أنفسهم. فقد ضُربت فعالية ترسانة البلاد من الأسلحة السيبرانية أمام عدو يستغل الإنترنت إلى حد كبير للتجنيد، ونشر الدعاية واستخدام الاتصالات المشفرة، وكلها يمكن أن يعاد تشكيلها بسرعة بعد قيام الفرق الأميركية بتجميد أجهزة الكمبيوتر الخاصة بها أو التلاعب ببياناتها. 
وفي أعقاب الاعتداءات الأخيرة التي شنها داعش في بريطانيا وإيران، أصبح من الواضح أن جهود التجنيد ومراكز الاتصالات تتجدد باستمرار وبسرعة كبيرة، وهذا ما يدفع المسؤولين الأميركيين إلى إعادة التفكير في كيفية إعادة تصميم تقنيات الحرب السيبرانية، والتي كانت قد صممت لأول مرة لاستهداف أهداف ثابتة مثل المنشآت النووية، أما الجماعات الإرهابية فقد أمست أكثر مهارة في تحويل الإنترنت إلى سلاح، تقول “نيويورك تايمز”. 
ويعلّق المدير العام السابق لمكافحة الإرهاب في مجلس الأمن القومي، جوشوا غيلتزر: “بشكل عام، كان هناك بعض الشعور بخيبة الأمل بسبب قدرات العمليات الإلكترونية على توجيه ضربة قوية ضد داعش. إن ذلك أصعب بكثير عند الممارسة مما يعتقد الناس. الأمر لا يتعلق فقط بالدخول في نظام ثم انتظار أن تختفي الأشياء”. 
وحتى النجاحات النادرة ضد التنظيم كانت بجهد من قوات الاحتلال الذي كان أيضاً شريكاً لأميركا في الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية. وأوضح المسؤولون أن أجهزة التحكم الإلكترونية الإسرائيلية اخترقت آنذاك خلية صغيرة من قاذفات القنابل التي يملكها التنظيم في سورية منذ أشهر. وبهذه الطريقة علمت الولايات المتحدة أن الجماعة الإرهابية تعمل على صنع متفجرات تخدع أجهزة الأشعة السينية في المطارات، لأنها تبدو مثل بطاريات أجهزة الكمبيوتر المحمول. 
أجندة الدولة الإسلامية وتكتيكاتها تجعلها عدواً صعباً للغاية في هذه الحرب السيبرانية، إذ يستخدم الجهاديون أجهزة الكمبيوتر وشبكات التواصل الاجتماعي، لا لتطوير أو إطلاق أنظمة الأسلحة، لكن للتجنيد وجمع المال وتنسيق الهجمات في المستقبل. 
ولا يرتبط هذا النشاط بمكان واحد، مثل ما هو الشأن بالنسبة لأجهزة الطرد المركزي الإيرانية، إذ يستفيد المسلحون من تقنيات التشفير المتقدمة ومتدنية التكلفة، وقال المسؤولون إن تنظيم “داعش” استفاد بشكل كبير من تطبيق “تيليغرام”، وهو نظام رسائل مشفرة تم تطوير الجزء الكبير منه في ألمانيا. 
وحتى الساعة، لم تتجاوز أكثر العمليات الإلكترونية تطوراً ضد تنظيم داعش مجرد تخريب مقاطع الفيديو على الإنترنت بعد الحصول على كلمات سر عناصر من التنظيم، وهذا لا يتجاوز النتائج التي تحققها مواقع التواصل الاجتماعي التي تواصل تطوير ترسانتها التكنولوجية في محاولة لوضع حد لدعاية التنظيم، من خلال الاعتماد على التعلم الآلي الذاتي وتطوير أنظمة التصنيف واستخدام الذكاء الصناعي. 
ونشر “فيسبوك” مؤخراً تفاصيل أكثر حول الوسائل التي يعتمدها في رصد المحتوى الإرهابي والمتطرف على المنصة، بما فيها اعتماد جديد الذكاء الصناعي والتعلم الذاتي الآلي التي تم بناؤها من أجل رصد وتحليل المحتوى المثير للجدل والتساؤل. لكنه لم يخفِ محدودية هذه الوسائل وفعاليتها. وقال “فيسبوك”: “لقد كنا حذرين لأننا لا نريد أن نتحدث عن وجود وسيلة سهلة لحل هذا المشكل، إنه تحدٍ ضخم أن تحافظ على سلامة مستخدمين في منصة تعدادها حوالي ملياري مستخدم كل شهر، ينشرون المحتوى ويعلقون عليه بأكثر من 80 لغة في كل جزء من العالم، ما زال أمامنا الكثير لنفعله”. 
من جهتها، أعلنت شركة “غوغل” عن خطط جديدة لمحاربة المحتوى المتطرف على منصة تبادل المقاطع “يوتيوب”. وأوضحت عبر مدونتها الرسمية أنها سوف تتخذ موقفاً أكثر صرامة من المحتوى التحريضي، من خلال منع تمويله والتوصية به وإرسال التحذيرات للناشر، حتى إذا لم يخالف صراحة سياسة الاستخدام في الموقع. 
ووعدت الشركة بزيادة قدراتها الهندسية وحشد ترسانتها التكنولوجية من أجل المساعدة على رصد المقاطع المتطرفة، وتدريب المزيد من مصنفي المحتوى من أجل سرعة أكبر في حذف هذا النوع من المحتوى.

اقــرأ أيضاً

16 منظمة تونسية ودولية تخشى على حرية الإذاعات والتلفزيونات

واشنطن ــ العربي الجديد

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا