تقسيم ليبيا وارد في حسابات ترامب ومستشاره سيباستيان غوركا

في ظل الضبابية التي تحيط بآليات اتخاذ القرار داخل إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في السياسة الخارجية، ولا سيما في المنطقة العربية، تشير تسريبات إلى محاولات أحد مستشاري ترامب الدفع باتجاه “تقسيم ليبيا”، باعتبار ذلك أحد الحلول لوقف الصراع الأهلي الدائر هناك منذ إسقاط العقيد الليبي الراحل معمر القذافي في العام 2011 بعد ثورة فبراير وتدخّل حلف شمال الأطلسي ضده. وكشفت صحيفة “ذا غارديان” البريطانية يوم أمس، الإثنين، عن نوايا نائب مساعد ترامب، سيباستيان غوركا، الدفع باتجاه تقسيم ليبيا إلى ثلاث مناطق، الخطة التي رسمها غوركا “على منديل خلال لقائه أحد الدبلوماسيين الأوروبيين خلال الفترة الانتقالية للإدارة الأميركية”.

وفي الوقت الذي لا تملك فيه إدارة ترامب خططاً واضحة للمنطقة، في ظل تقلبات إدارته تجاه قضايا رئيسية، مثل الموقف من مصير رئيس النظام السوري بشار الأسد، لا يبدو مستبعداً أن تدفع الولايات المتحدة باتجاه الأخذ بأجندة غوركا، المُتهم بتبني أجندة يمينية متطرفة معادية للإسلام. وبحسب الصحيفة، فإن الدبلوماسي الأوروبي الذي التقاه غوركا، وصف الخطة بـ”أسوأ حل في ليبيا”. ويُتوقع أن تكون تقسيمات غوركا “قد بُنيت على أساس التقسيم العثماني القديم للمنطقة إلى ثلاثة أقاليم، هي برقة في الشرق، وطرابلس في الشمال الغربي، وفزان في الجنوب الغربي”. ونقلت الصحيفة عن خبراء قولهم إن الخطة “ستشعل حرباً أهلية أخرى، بسبب صعوبة وضع حدود بين هذه الأقاليم”.


 حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا يخشون من مراجعة ترامب للدعم المقُدّم لحكومة السراج

وبحسب “ذا غارديان”، فإن حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا “يخشون من مراجعة ترامب للدعم الذي قُدّم من سلفه باراك أوباما للحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس بقيادة فائز السراج”. وتتمتع حكومة السراج بدعم دولي واسع، بينما يحظى خصمه في شرق ليبيا، اللواء المتقاعد خليفة حفتر، بدعم روسي ومصري وإماراتي، فيما تغيّر الموقف الفرنسي أخيراً من حفتر، الذي وصفته “ذا غارديان” بـ”من قدّم نفسه كمناوئ للإسلاميين والإخوان المسلمين، مما قد يجعله يبدو جذاباً بالنسبة للإدارة الأميركية”. وبحسب الصحيفة، فقد قام “على الأقل أحد حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا بالتعبير لوزارة الخارجية الأميركية عن خيبة أمله من تراجع دور واشنطن في ليبيا، لصالح التأثير الروسي المتنامي”.

غوركا المثير للجدل
من المتوقع أن يكون سيباستيان غوركا أحد المرشحين لتولي منصب المبعوث الخاص للرئيس الأميركي إلى ليبيا، مما يعطي اقتراحاته حول “تقسيم ليبيا” أبعاداً جدية. غوركا من مواليد لندن سنة 1970، من أم وأب هنغاريين، وقضى فترة التسعينيات والعقد الأول من الألفية في هنغاريا، ولم يصبح مواطناً أميركياً إلا في وقت متأخر، سنة 2012. يُعتبر غوركا من المقربين لكبير استراتيجيي البيت الأبيض، ستيف بانون، كما يخدم ضمن طاقم مستشار الأمن القومي، وهو المتهم بتحيزه ضد الإسلام، وعلاقاته المشبوهة مع اليمين الهنغاري المتطرف وحزب (Vitezi Rend)، علاوة على معاداته للسامية، وتبنيه لرؤى مسيحية متطرفة. خدم غوركا قبل التحاقه بطاقم ترامب في الجيش البريطاني. كما عمل مستشاراً لوزارة الدفاع الهنغارية. وتعود علاقته مع بانون إلى عمله محرراً في موقع “بريتبارت” الأميركي اليميني المتطرف الذي كان يشرف عليه كبير استراتيجيي البيت الأبيض.

اقــرأ أيضاً

ضغوط باتجاه مساعدة أميركية بالجنوب الليبي لدرء “داعش” وحفتر

تُوجَّه إلى غوركا اتهامات بعلاقته باليمين الهنغاري المتطرف (حزب Vitezi Rend) وانتمائه إلى هذا الحزب الذي كان والده أحد أعضائه. وارتدى غوركا ميدالية هذا الحزب خلال حفل تنصيب ترامب في يناير/كانون الثاني الماضي، الخطوة التي أثارت الكثير من الجدل في الدوائر الأميركية. وبرر غوركا لوسائل إعلامية أميركية ارتداءه ميدالية الحزب الهنغاري المتطرف بأنه “إحياء لذكرى والده”، مؤكداً أن والده نال ميدالية الحزب بسبب “مقاومته للشيوعية”، نافياً عن نفسه تهم التقارب مع “اليمين البديل الأميركي” أو “النازيون الجدد”. ويُتهم اليمين المتطرف الهنغاري بمعاداة السامية، علاوة على تعاونه مع النازيين، وتواطئه مع المذابح ضد اليهود في هنغاريا تزامناً مع الحرب العالمية الثانية.
كما يتحدث البعض عن أن غوركا يتبنى أفكاراً “وطنية” تدمج ما بين البُعدين القومي العرقي، والديني متمثلاً في المسيحية الراديكالية ذات التقاليد العسكرية في هنغاريا، والتي تظهر بصورة واضحة من خلال تبني أجندة معادية للمسلمين واليهود.

تركة أوباما
قبل مغادرته البيت الأبيض في 19 يناير/كانون الثاني الماضي، وافق باراك أوباما على شن هجمات بطائرات من دون طيار “درونز” على معسكرات لتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) بالقرب من مدينة سرت الليبية، ليكون الهجوم آخر قرارات أوباما، وهو الذي أقر في 2016 بأن قراراته حول ليبيا “أسوأ أخطاء إدارته”. واعتبر أوباما أن تدخّل الولايات المتحدة مع حلف شمال الأطلسي ضد معمر القذافي كان مبرراً “لحماية المدنيين خلال انتفاضة 2011”، إلا أن خطأ إدارته تجلى “بعدم الاستعداد لليوم التالي لسقوط القذافي”، مما دفع البلاد إلى صراعات أهلية مسلحة واسعة النطاق. وكان مجلس الأمن الدولي قد أقر في مارس/آذار 2011 فرض منطقة حظر طيران في ليبيا، لحماية بنغازي من الموالين للقذافي، إلا أن الحلف الأطلسي استغل القرار لتوسيع عملياته في البلاد، حتى إسقاط النظام ومقتل القذافي على يد الثوار في أكتوبر/تشرين الأول 2011. ويُحمّل أوباما “التركيبة القبلية” في ليبيا، إضافة إلى “تخلي حلفاء أميركا الأوروبيين عن الانخراط بفاعلية في الشأن الليبي”، مسؤولية عدم السيطرة على الأوضاع في البلاد. إلا أن المشكلة الأكبر كانت بحسب الرئيس الأميركي السابق “عدم امتلاكه خطة لما بعد إسقاط النظام”.


 تبنّت إدارة أوباما استراتيجية دعم حكومة السراج والاكتفاء بضربات الطائرات من دون طيار لمواجهة “داعش”

وتبنّت إدارة أوباما استراتيجية قائمة على دعم حكومة فائز السراج المعترف بها دولياً، والاكتفاء بضربات الطائرات من دون طيار “درونز” لمواجهة تنظيم “داعش”. وتحوّلت ليبيا إلى قبلة للمسلحين الموالين للتنظيم، من غير القادرين على الوصول إلى الأراضي العراقية والسورية، إضافة إلى أنها باتت أحد أهم الموانئ المصدّرة للمهاجرين غير الشرعيين على ضفاف البحر الأبيض المتوسط. وحاول أوباما عدم التورط في صراع مسلح غير محسوم في ليبيا، في ظل الانقسامات المناطقية والقبلية وتدخّلات دول الجوار المتناقضة، ولا سيما بعد مقتل السفير الأميركي، كريستوفر ستيفنز، وثلاثة من مساعديه في بنغازي في سبتمبر/أيلول 2012. ومن غير الواضح ما إذا كانت ليبيا ستحظى بأي أولوية بالنسبة للرئيس الجديد دونالد ترامب. إلا أن تنامي النفوذ الروسي في البلاد، من خلال دعم خليفة حفتر، وتحوّل ليبيا إلى مصدر للمهاجرين إلى أوروبا، علاوة على تواجد تنظيم “داعش”، كلها أسباب قد تدفع ترامب لاعتماد سياسات مناقضة لسلفه أوباما ومحاولته تجنّب التورط في ليبيا، ما يعني تدخّلاً أميركياً آخر في صراع مسلح غير محسوب.

اقــرأ أيضاً

عملية عسكرية لاستعادة قاعدة جوية من حفتر جنوبي ليبيا

بدر الراشد

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا