حكايات مغاربة بمهن هامشية.. قوت يومي مغموس في الذل

بعيداً عن الكراسي الوثيرة والمكاتب المكيفة والأجور “المغرية”، تقتات فئة من المغاربة على فتات “مهن” هامشية غير معترف بها، ممتهنوها دون ضمانات أو تغطية صحية، بالكاد يسدّون جوع عائلاتهم ليواصلوا رحلتهم كل يوم، رزقهم موزع بين القمامة والحمامات والمقابر.. ليس في مهنهم ما يغري بالاستمرار سوى قوت اليوم المغموس في الذل.

حفارو القبور

يبدؤون عملهم عندما تنتهي حياة الآخرين، اعتادوا على سماع وترديد كلمات من قبيل الموت والفناء والكفن والتراب، وأصبح الأمر بالنسبة إلى جلهم عادياً غير مفزع ولا مدرّ للدموع، هم حفارو القبور الذين يرقبون وصول جثث جديدة إلى المقابر كل يوم من أجل بداية عملهم وكسب قوتهم.

سعيد (44 سنة)، حفار قبور بضواحي مدينة سطات المغربية، يقول لـ “العربي الجديد”: “لم أختر هذه المهنة عن طواعية، بل لقلة فرص الشغل وعدم توفري على شهادات تعليمية تمكنني من التقدم لوظائف رسمية، كان يجب علي أن أعمل من أجل إعالة إخوتي الصغار وأمي بعد وفاة والدي”.

ويتابع: “ينظر بعض الناس إلى هذه المهنة بازدراء، ويجهلون تماما معاناة صاحبها وما تتطلبه من صبر وجهد عضلي، لحفر قبر يصل طوله إلى نحو مترين وعشرة سنتيمترات وعرضه إلى خمسين سنتيمتراً و إحاطة جنباته بالطوب، ثم وضع الميت فيه قبل تغطيته بالتراب، وبعدها وضع قطعة خشبية مكتوب عليها اسم الميت وتاريخ وفاته، وهي ما يصطلح عليها بـ”الشاهد”.

 ويؤكد سعيد أن ما يجنيه من حفر القبور لا يكفيه لتغطية مصاريف عائلته ومتطلباتها، مشيرا إلى أن مزاول هذه المهنة مهمش دون تقاعد ولا ضمانات، وحتى ما يجنيه من دخل يومي ينفد ولا يجد في اليوم التالي حتى ثمن وجبة إفطار.

اقــرأ أيضاً

حمّالون على الحدود العراقية الإيرانية… لقمة ممزوجة بالثلج والدم

الكسالون أو “الممدون”

هي مهنة يشبه أصحابها من باب الهزل بـ “البرمائيين” لقدرتهم على التعايش مع حرارة الحمامات التقليدية، تحتاج مهنتهم إلى صبر كبير وجهد عضلي لإزالة أدران الأجساد وتمتيعها بالطهارة المنشودة وطرد العياء عن الزبائن الذين يقصدون الحمامات المغربية التقليدية لهذا الغرض.

رقية (38 سنة) تقضي يومها متجولة بين أقبية الحمام، تقدم خدمته لزبوناته من دون أن تتبرم من حرارة غرفه، بمهارة وخبرة تطوع الأجساد النحيفة والمكتنزة والسمينة بمقابل مادي بحسب كرم المستحمات، يبدأ من 20 درهما ويصل في أحسن الأحوال إلى 80 درهما.

رقية “كسالة” مطلوبة من الزبونات “يكفي أن تمنحها جسدك لتمنحك النقاء والراحة دون أن تتسبب لك في آثار جانبية”، تقول واحدة من زبوناتها.

لكن هذه الأخيرة وعلى الرغم من همتها ونشاطها في عملها، لا تخفي معاناتها اليومية، تقول لـ “العربي الجديد”: “لا أخصص وقتا كافيا لأبنائي، جل وقتي أقضيه في الحمام، أصاب بالزكام بشكل متواصل، وينبغي علي دائما ترويض نفسي على الصبر للتعامل مع غطرسة بعض الزبونات، ثم إن ما أجنيه يوميا لا يكفيني أحيانا حتى ثمن مواصلات للوصول إلى منزلي بعد إنهاء عملي”.

جامعو القمامة

ألقت بهم الأقدار بين أحضان مهنة صعبة اضطروا إلى التعايش معها بصعوباتها ومخاطرها، عبد الواحد (31 سنة)، واحد ممن دفعتهم الحاجة والظروف المعيشية القاسية إلى جمع القمامة، وفتات الخبر ليعيد تجفيفه وبيعه.

يقول: “الرجل كالفأس يجب أن يشتغل لكسب قوته بعرق جبينه، ولهذا فأنا أعمل في هذه المهنة مضطرا لا بطلاً، أجمع القمامة وأفرزها إلى بلاستيك وزجاج وكرتون، كما أجمع الخبز وأعيد بيع الكل من أجل أن أعود إلى أسرتي ورأسي مرفوع”، ويضيف “ما أجنيه أشتري به الحليب والحفاظات لأبنائي، وبعض الخضر والمستلزمات، المهم ألا أعود خاوي الوفاض”.

لا يعمل عبد الواحد ضمن أي شركة لجمع القمامة، وإنما بشكل فردي ويغادر بيته في السابعة صباحا ولا يعود إلا بعد غروب الشمس، “إذا مرضت أو أصبت بآلة حادة من حاويات القمامة، لا أجد ما أعيل به أسرتي”. ولا يخفي العامل البسيط رغبته في أن يحصل على عمل مستقر يجنبه الذل والخطر اللذين يتعرض لهما يوميا من جمع القمامة.

يجمع القمامة ليعيش (عبد الحق سينة/Getty)

“ السيرورة” ملمّعو الأحذية

يطلق عليهم في المغرب “السيرورة”، هم ملمعو الأحذية الذين انخرطوا في مهنة تفتقر بدورها لأي ضمانات رغم كونها مازالت تحافظ على مكانتها رغم الوضعية الصعبة التي يعيشها ممارسوها، محمد (13 سنة) واحد ممن جعلوا من هذه المهنة مصدرا للعيش.

 بثيابه الرثة، ونعله المرقع وسحنته المتجهمة التي جعلته يبدو أكثر سنا، يقتعد كرسيا خشبيا، ويمسك بيده منديلا أقرب إلى الرمادي ينفض غباره على صندوقه الخشبي، في نفس المكان الذي يقضي فيه يومه الشاق في انتظار زبون يرميه بالدريهات أو يرمقه بنظرات الشفقة، عيناه تسرحان في ماركات الأحذية ومنتعليها.

 قصته مع هذه المهنة كما روى لـ “ العربي الجديد” بدأت منذ سنتين فقط، بعد أن قدم للدار البيضاء (كبرى مدن المغرب) من أجل البحث عن عمل “في البداية رافقت إبن خالي الذي يزاول نفس المهنة وسرعان ما تشربت منه قواعدها، تعرضت للكثير من المضايقات من “السيرورة” قبل أن أفهم سر المهنة التي لا تحتاج إلا إلى قليل من الجرأة ومعدات بسيطة “ ، فاقتنيت الصندوق الخشبي وطلاء الأحذية ومنديل المسح وشرعت في ممارسة هذه المهنة التي أصبحت المورد الوحيد لرزقي رغم هزالتها والإهانات التي تلاحقنا من البعض”.

يتأمل أنواع الأحذية ويتمنى بعضها (باي إسمويو/Getty)

الباحث السوسيولوجي حسن قرنقل، يعترف أن معاناة ممارسي هذه المهن تنقسم إلى قسمين الأول يتعلق بوضعيتهم الاجتماعية التي تحاط بنوع من التحقير والازدراء، ثم الشق الثاني بأجورهم المنخفضة وغياب الضمانات الحقيقية لمواجهة المستقبل في حالة المرض والشيخوخة وحوادث الحياة.

يقول “للأسف لا ضمانات لهذه الفئة التي مازال المجتمع يستفيد من خدماتها، بينما لا تجني هي سوى الفتات”.

وبين قساوة الحياة وإكراهاتها وغياب الضمانات الحقيقية تستمر مهن الجحيم ومعها معاناة شريحة واسعة من أفراد المجتمع الذين دأبوا على تقديم الخدمات للغير دون أن يتمكنوا حتى من تأمين مستقبل لأبنائهم، ولعل غياب اهتمام الدولة بمهنيي هذا القطاع غير المهيكل يزيد من تعميق مأساة هذه الشريحة التي لم تولد وفي فمها ملعقة من ذهب.

اقــرأ أيضاً

خالد القرص علّم أولاده من رزق البحر

الدار البيضاء ـ حنان النبلي

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا