حكم دروزة

رأيته مرتين، أو أكثر ربما، لدى عودته من رحلة صيدٍ في جبال تونس التي لا تُقارن بحجم جبال لبنان أو سورية، لكنها كانت كريمةً بالطرائد من الحيوان والطير. في منزله في ضاحية قرطاج، المطل على أول ميناء فينيقيٍّ، أقامته عليسة ملكة قرطاجنة، كان يبدو سعيداً ومنشرح الصدر. دائماً عندما يعود من رحلات الصيد كان يبدو كأنه لملم بين يديه، أو في مدى بصره كله، سكينة البرية، وصمت المتربص للإمساك بتلك اللحظة التي تختلط فيها الرغبة بالانتصار على طريدته، عبر اقتناصها ورغبته في اقتناص ما يشاء قلبه المتعب، من زمان، من أسباب الحياة.
عرفت حكم دروزة منذ عقود طويلة. في لبنان، حيث عاش مع زوجته مها لطفي، في منزل عائلة لطفي، تلك العائلة الصيداوية الصديقة بكامل أفرادها. وتعرفت اليه حقاً في تونس التي جمعتنا، وهو الذي كان يعمل في جامعة الدول العربية في المرحلة التونسية إلى أن انتقل مع الجامعة مجدداً إلى القاهرة. كان لقاؤنا الأخير في القاهرة في فبراير/ شباط 2012 في منزله، ثم في مطعمٍ يقدّم الأسماك على ضفاف النيل.
حكى لي حكم، في اللقاء الأخير، عن حزنه وخيبته لرفض السلطات المصرية منحه رخصة صيد، كما كان الأمر في تونس أو لبنان أو سورية. كانت هواية الصيد أعزّ ما لديه من اهتمامات خارج احتفائه بالحياة مع أحبائه وأصدقائه. لا أذكر أننا كنا نتحدّث عن السياسة في تلك اللقاءات، وكأنه لم يشأ أن يحرف قلبه عن التمتع بملذات الحياة، عند اللقاء بالأصدقاء حول مائدةٍ عامرةٍ بكل المشتهيات من طعام وشراب وأحاديث تستدرج الابتسامات والضحكات، كما يستدرج هو طيور الحجل، أو دجاج الأرض، إلى فخاخه الأثيرة في نسج علاقاتٍ إنسانيةٍ، ولا أبهى، ولا أجمل.
في شبابنا الغابر، كان حكم دروزة مفكراً سياسياً في حركة القوميين العرب، وباحثاً في الشأن الوطني الفلسطيني. وكنا نحن الصغار أغراراً في العمل السياسي، وكان كتابه الشهير الذي كتبه بتكليف من حركة القوميين العرب “الشيوعية المحلية ومعركة العرب القومية” قد جعله عملياً المنظّر الأول، وربما الأخير في الحركة التي لم تعرف، في تاريخها اللاحق وتطوّرها، لتصبح، في النصف الأخير من عقد الستينيات، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، منظّراً ذا همةٍ في البحث والاجتهاد في الفكر السياسي مثله. وشكّل كتابه هذا الذي نشر في مفتتح الستينيات البرنامج النظري لأعضاء الحركة، في محاولةِ تثبيت حضورها في المشهد السياسي العربي المزدحم بالأحزاب القومية، كالبعث والقومي السوري الاجتماعي، والأحزاب الشيوعية التي كانت تتعرّض لحملة قمع واضطهاد في مصر الناصرية والعراق وسورية. 
بعد سنواتٍ قليلة، تعرّض الكتاب إلى انقلابٍ داخل الحركة نفسها التي تحولت إلى جبهةٍ فلسطينيةٍ مسلحة، وجدت نفسها منساقةً إلى تبني الفكر الماركسي، فلم تستطع إدراك معناه، وظلت تراوح ما بين الفكر القومي الدوغمائي وهلام الفكر الماركسي الذي لم تجد له منظّراً كما وجدت في حكم دروزة منظراً لفكرها القومي، فبقيت أسيرة الخلط، ولم تتمكّن من تجاوز التاريخ الطويل للشيوعية المحلية. وأظن أن حكم دروزة انسحب، في تلك المرحلة، من الانغماس اليومي في الشأن السياسي، ليحصر اهتمامه بالبحث والكتابة الأكاديمية في المؤسسات الفلسطينية، كمركز الأبحاث الفلسطيني، إلى أن انتقل للعمل في المجال نفسه في جامعة الدول العربية.
يستريح حكم دروزة اليوم، في ملاذه الأخير في القاهرة، بعد مسقطه في نابلس والعيش مع العائلة، إلى دمشق منذ عام 1938، ثم إلى القاهرة للدراسة، والعودة إلى لبنان، ثم إلى تونس، والعودة النهائية إلى القاهرة، حيث فقد علاقته الحميمة بالغابات والوديان والسهول ومنعرجات المتعة القصوى في الانصهار بالطبيعة، واستدراج الطير وحيوان البر، إلى فضاءات وسهوب روحه النبيلة الساكنة المطمئنة الراضية.

نصري حجاج

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا