حياة في بيضة

تضع قطعتَي الشوكولاتة المجوّفتَين جانباً، وتنهمك في فتح البيضة البلاستيكيّة الصغيرة التي يتراوح لونها ما بين أصفر وبرتقاليّ. في لمحة بصر، تهمد حماستها ويشحب وجهها وتذبل عيناها. السيّارة البلاستيكيّة الزرقاء الصغيرة في تلك البيضة خيّبت ظنّها. خيبة تُضاف إلى أخرى كثيرة تراكمت. 

يا ليت كلّ الخيبات تكون على شاكلة تلك. لكن، الخيبة تبقى خسارة مهما اختلف حجمها أو طبيعتها. تفكّر في التخلّي عن تلك السيّارة، غير أنّها تجد نفسها وبحركة ميكانيكيّة، تضعها في ذلك الصندوق الصغير الذي تجمع فيه منذ أعوام ما تظفره في بيض الشوكولاتة. لا تعلم إن كانت تستحسن تلك الشوكولاتة بالحليب، غير أنّها تدرك جيّداً الهدف من اختيارها. تلك المفاجآت الصغيرة المخبّأة في قلبها هي هدفها، مذ كانت صغيرة. المستور لطالما جذبها وسحرها، وتحلم دائماً بمفاجآت ورديّة. اللون الورديّ ليس من ألوانها المفضّلة، وقد لا يكون كذلك إذ إنّها تدرك في قرارة نفسها أنّ الورديّ في الحياة مجرّد أوهام أو أحلام مؤجّلة. لو لم يكن كذلك، لما كان الناس اصطلحوا على عبارة “أحلام ورديّة”. 

الحياة. ربّما كانت محطّات تلك الحياة كلّها أشبه ببيض بلاستيكيّ صغير تختلف ألوانه، يأتي في بيض أكبر حجماً مصنوع من الشوكولاتة، ويُخبّئ في قلبه إمّا سيّارة بلاستيكيّة زرقاء صغيرة لا تستهوينا، أو عدسة مكبِّرة إطارها وحيد قرن بنفسجيّ اللون تروق لنا، أو ضفدعاً أخضر من الكاوتشوك يحمل في فمه زهرة أقحوان بتلاتها من القماش الأبيض والأصفر يضحكنا، أو مجسّم مسخ صغير يثير اشمئزاز بعضنا ويخيفه. 

تلك المحطّات قد لا تختلف عن أكياس “السحبة” الصغيرة التي كان يبيعها إسحاق في دكّانه، والتي كانت تتوق يوم كانت تلميذة صغيرة إلى الحصول على واحد منها، لدرجة أنّها هربت في يوم بعد دوام المدرسة لشرائه وتجربة حظّها. كانت المفاجأة في قلب الكيس الورقيّ الأبيض خاتماً بلاستيكياً أخضر اللون. ما زالت تذكر كم كان جذلها به كبيراً، غير أنّها لا تعرف أين انتهى به المطاف. 

محطّات كثيرة تتخلّل مرورنا من هنا، ومفاجآت بعددها نفسه أو أكثر. قبل زمن، عندما أعلنت تمرّدها على كلّ ما حولها، راحت تردّد أنّ العلاقات — كلّ العلاقات — هي أشبه برؤوس بطّيخ، وتشرح أنّه لا يمكن توقّع جودة رأس من تلك الفاكهة، مهما كانت خضرة قشرته السميكة زاهية. لا بدّ من شقّه. رائحته الطيّبة كذلك، لن تحسم طيب مذاقه ولا لون لبّه الأحمر الناضر. ربّما راحت تردّد ذلك وتشرحه لنفسها أوّلاً، لعلّه يحصّنها من خيبات محتملة مقبلة بعد أخرى سابقة خبرتها، فمفاجآت بيض الشوكولاتة لم تكن كلّها تبهجها وهي طفلة صغيرة. في بعض الأحيان كان ذلك البيض يخفي سيّارات بلاستيكيّة زرقاء صغيرة ومجسّمات مسوخ تثير اشمئزازها وتخيفها.

اقــرأ أيضاً

تخفّف

ميليا بو جوده

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا