خوسيه باتشيكو: الماضي المكسيكي الذي لم يكن

تبدأ رواية “معارك الصحراء” للشاعر المكسيكي خوسيه إيمليو باتشيكو (ترجمة شادي روحانا، منشورات قديتا) بما يشبه المفاجأة؛ “..أتذكر، لا أتذكر: أي عام كان ذلك”؟ ولن نعرف إلا مع وصولنا إلى آخر سطر أن موضوعة الرواية الرئيسية، كما في كل كتابات باتشيكو (1939–2014)، هي عالم الأطفال الخاص بهم والذي يقيمونه من قراءة مجلات الحكايات المصورة، ومشاهدة العروض المسرحية، ووجوه الأصدقاء والأوهام الغرامية، كما تقول إيديث نتشرين من الجامعة الوطنية المكسيكية، “عالمٌ هشٌّ سرعان ما يتهشم مع أول اصطدام لهم بحقيقة النمو المؤلمة”.

ولكن هذا العالم الهشّ، والذي سيتلاشى إلى درجة الشك في حقيقة وجوده، بأناسهِ وأحيائهِ وطرقاته، قبل أن يتلاشى، أي وهو في حالةِ صورٍ تتوالى، يبدو أعمق بكثير من أوهام طفل، أو رسوم على صفحات مجلات أطفال؛ هو عالم يشغله الكبارُ من وجهة نظر براءة طفل.

رئيسُ دولة يعصف به الشاعرُ سخرية فيسميه “جرو الثورة المكسيكية”، ويعصف ببطانته فيطلق عليه وعليها تسمية “علي بابا والأربعون حرامي”، ويلخّص بسطور قليلة وبسيطة ومن دون خطاب أيديولوجي، كارثة استيلاء المستعمرين الشماليين على اللسان والاقتصاد والنساء والدولة، وتبعات ذلك سواء بتعميق الهوّة بين الطبقات، أو بنهب الثروات وزيادة البؤس والحرمان.


 عدسة تصوير في غاية البراءة، ومن هنا عمق تأثيرها العاطفي

تذكّر هذه الرواية، بطريقة ما، برواية “الحارس في حقل الشوفان” للأميركي جيروم سالنجر، ويمتزج هولدن الصبي الأميركي، بالصبي المكسيكي كارلوس، وتحلّ محل أغنية الحارس في حقل الشوفان -العنوان مأخوذ من قصيدة “هيا عبر حقل الشوفان” للشاعر روبرت بيرنز (1759–1796)- أغنية يجري لحنها مجرى لحن رقصة “بالارو” بورتوريكية قديمة يقول مطلعها: “مهما كان علو السماء/مهما كان عمق البحر/ حبي العميق لك/ سيحطم من أجلك كل جدار”.

يتمرّد الاثنان على عالم الكبار، الأول خرج من تجربة الحرب العالمية الثانية التي خاض غمارها جندياً مشمئزاً من قيم مجتمعه وزيفه، والثاني مرّت أخبار الحروب؛ الحرب الأميركية/اليابانية، وحرب حزيران العربية/الصهيونية، في مخيلته، وتذكر انعكاساتها في الحيّ الذي يقطنه والمدرسة التي يذهب إليها، كما لو أنها انعكاسات الأشياء على صفحة الماء.

ولكل واحد منهما موضوع حب يعذِّبه، الأول براءة أخته الصغيرة التي يحبها ويحاول حماية براءتها، والثاني حبّه للشابة ماريانا أم صديقه “جيم”، عشيقة “الرجل الكبير” الشمالي المرافق للرئيس/الجرو.

المدهش في هذه الرواية، ليس كشفها عن عالم المكسيك المتهرئ سياسياً وأخلاقياً خلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها فقط، بل فنية القص الآخذ بأطراف عالم يضمحل، أو اضمحل، بلغة بسيطة، وصور تبدو أكثر بساطة بينما هي أشبه بعدسة تصوير تغوص عميقاً في حياة طبقات الشعب المكسيكي. عدسة تصوير في غاية البراءة، ومن هنا عمق تأثيرها العاطفي.

كارلوس الطفل وهو يرسم بلغته ما يصفها بالرشقات، أو الومضات، ويكرر في السطور الأخيرة القول إنه يتذكر، ولا يتذكر حتى في أي عام كان ذاك، يرسم مصائر وطن.

وكم هي مؤثرة عبارته الأخيرة وهو يختم رواية الومضات القصيرة هذه، فيكتب: “هي وحدها تعود وتمثل في ذهني كاملة، هي والكلمات الدقيقة: مهما كان علو السماء، ومهما كان عمق البحر.. يا لها من قديمة بعيدة، مستحيلة هذه القصة. لكن ماريانا كانت موجودة، جيم كان موجوداً، كل ما رويته لنفسي كان موجوداً”.

باتشيكو الذي يصفه زميله الروائي والشاعر والرسام فرناندو ديل باسو بالعرّاف، كتب -إلى جانب الشعر والرواية- القصة القصيرة، حيث أصدر فيها مجموعات: “الريح البعيدة” (1963) و”مبدأ اللذة” (1972). وكانت أولى رواياته عام 1967 بعنوان “ستموت بعيداً”.

اقــرأ أيضاً

ماذا فعلنا بوطننا يا خوسيه إيميليو

محمد الأسعد

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا