دائرة السيسي تضغط على القضاء لتفادي تكرار سيناريو الجزيرتين

بالتزامن مع قرب نظر محاكم مجلس الدولة المصري في عدد من القضايا الهامة التي قد تشكل خطراً على السياسات الاقتصادية لنظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تمارس الدائرة المخابراتية-الرقابية الخاصة بالسيسي، والمتحكمة في الأكثرية النيابية في البرلمان، ضغوطاً غير مباشرة على مجلس الدولة وقضاته، بهدف منعهم من إصدار أحكام أخرى على شاكلة حكم بطلان نقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية. وأحدث حلقات “التحرش” بمجلس الدولة إعلان عدد من نائبات الأكثرية النيابية “دعم مصر” اقتراح مشروع قانون لإلزام مجلس الدولة بقبول تعيين قاضيات، بالمخالفة لقرار سابق للجمعية العمومية لقضاة مجلس الدولة، وناديهم أيضاً، استناداً إلى تجربة القاضيات في المحاكم العادية وهيئة قضايا الدولة والنيابة الإدارية. إذ إن سماح القانون المصري للسيدات المتزوجات بالحصول على إجازات طويلة لرعاية الأسرة والأطفال، يتنافى مع الاستمرارية المطلوبة لتطور القاضي وترقيه في الدرجات المختلفة للمحاكم.

وكان نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، حاول في عامي 2009 و2010 إجبار مجلس الدولة على تعيين قاضيات، لكن المجلس رفض الاستجابة للضغوط التي كان يمارسها وزير العدل آنذاك، ممدوح مرعي، ورئيس ديوان رئيس الجمهورية الأسبق، زكريا عزمي، بالرغم من أن هذه الضغوط كانت نابعة من رغبة شخصية لدى قرينة مبارك في تعيين سيدات في هذه الهيئة القضائية. ومنذ ذلك الحين، اعتبرت المنظمات الحقوقية والنسائية مجلس الدولة خصماً لها، لوقوفه عائقاً إزاء تعيين سيدات في السلك القضائي، ما دفع المجلس إلى الإعلان أنه لا يمانع تعيين قاضيات فيه، إذا وافق مجلس القضاء الأعلى على تعيين سيدات في النيابة العامة، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، وتوارى الموضوع خلف قضايا أخرى أكثر أهمية على مدار السنوات الثلاث السابقة.


اقتراح قانون بسحب اختصاص مراجعة مجلس الدولة مشروعات القوانين المقترحة من النواب

وتقول مصادر قضائية رفيعة المستوى في مجلس الدولة إن مسؤولين في الدولة أخبروا عدداً من قيادات المجلس بأن مشروع تعيين سيدات في المجلس مقصود به بشكل مباشر الضغط على المجلس وكسر إرادته، حتى يكف عن لعب دور “الشوكة في حلق النظام”، ولا سيما أن هناك عدداً من القضايا المتوقع أن تصدر فيها أحكام ضد السلطة الحاكمة، أبرزها على الإطلاق الدعوى المقامة للطعن بإبرام قرض صندوق النقد الدولي من دون عرض تفاصيل القرض على مجلس النواب، وكذلك الطعن بقرار تحرير سعر صرف الجنيه، والطعن بعقود حكومية هامة لم تعرض على إدارات الفتوى المختصة بمجلس الدولة، ما يعيبها بالبطلان شكلياً. وقبل أيام فقط من تقديم هذا المشروع، خرج من مجلس النواب مقترح آخر بتعديل المادة 190 من الدستور التي تنظم عمل مجلس الدولة، متضمناً سحب اختصاص مراجعة مشروعات القوانين المقترحة من النواب، ما يعني اقتصار مهمة مجلس الدولة التشريعية على مراجعة مشروعات القوانين المقدمة من الحكومة، ما يفتح الباب للقضاء على دوره التشريعي بالكامل، إذا تكرر ما حدث في قانون تنظيم الجمعيات الأهلية نهاية العام الماضي، عندما تم تقديم المشروع المقترح من دائرة السيسي عبر النواب وليس الحكومة. وبالتوازي مع ذلك، ما زالت لجنة الشؤون التشريعية في البرلمان، التي تدار من قبل دائرة السيسي، تصر على تمرير مشروع قانون اختيار رؤساء الهيئات القضائية، الذي يمنح رئيس الجمهورية سلطة اختيار رؤساء مجلس الدولة ومجلس القضاء الأعلى والنيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة، وأن يلغى دور الجمعيات العمومية لهذه الجهات، ويقتصر دور المجالس العليا لها على اختيار 3 مرشحين ليختار منهم رئيس الجمهورية الرئيس الجديد للهيئة.


تعيين سيدات في مجلس الدولة يقصد به توقف المجلس عن لعب دور الشوكة في حلق النظام

وأكد مصدر في إدارة التشريع بوزارة العدل، لـ”العربي الجديد”، أن المشروع قابل للتمرير أكثر من أي وقت مضى، نظراً لأن جميع الهيئات القضائية التي عرض عليها لم تعترض عليه، إلاّ مجلس الدولة، وذلك لأن المشروع يهدد بشكل مباشر فرصة المستشار يحيى دكروري (صاحب حكم تيران وصنافير) في رئاسة المجلس من أول يوليو/تموز المقبل، بينما لم يُبد مجلس القضاء الأعلى أي معارضة تذكر للمشروع، رغم أنه يهدد بشكل مباشر أيضاً فرصة المستشار أنس عمارة (المعروف بعلاقته الوطيدة بتيار الاستقلال القضائي) في رئاسة مجلس القضاء ومحكمة النقض. وأوضح المصدر أن هيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة رحبتا بالمشروع الجديد، لأن النصوص القديمة القائمة في قانونيهما كانت تمنح رئيس الجمهورية سلطة مطلقة في تعيين رئيسي الهيئتين، والنص الجديد يمنح سلطة اختيار المرشحين للمجلس الأعلى، في الهيئتين، وبالتالي فإنهما غير متضررتين من المشروع. وفي كل الأحوال ليس لهما دور سياسي أو قضائي بارز مقارنة بمجلس الدولة ومجلس القضاء الأعلى. وتؤكد السوابق أن السيسي لن يتورع عن الإطاحة بالدكروري أو عمارة في حالة صدور هذا القانون، رغم أن أقدميتهما تؤهلهما لرئاسة مجلس الدولة ومجلس القضاء على الترتيب، وذلك لأن السيسي خالف جميع الأعراف القضائية عام 2015 عندما قرر تعيين المستشار سامح كمال رئيساً للنيابة الإدارية، بدلاً من أقدم الأعضاء، المستشار هشام مهنا، بعدما اتهمت الأجهزة الأمنية مهنا بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، وتأييد الرئيس المعزول، محمد مرسي.

اقــرأ أيضاً

الرقابة الإدارية… ورقة النظام المصري لإحكام القبضة على القضاء

القاهرة ــ العربي الجديد

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا