دعوة للتعرّف على مجهول

عاود التحديق في الصورة المنشورة إلى جانب الإعلان عشرات المرّات، كي يتذكّر أين رأى هذا الوجه المألوف له، لكن من دون جدوى. 
كان الإعلان المروّس بعبارة “دعوة للتعرّف على صاحب الصورة”، يتحدّث عن العثور على “رجل ضائع” فاقد للذاكرة وسط المدينة، ولا يحمل أي أوراقٍ ثبوتية، تدلّ عليه، ويدعو كل من يعرف عنه شيئًا مراجعةً أقرب مخفر للشرطة؛ للإدلاء بمعلوماته.
يكاد يقسم صاحبنا أنه رأى هذا الرجل، أكثر من مرّة، وعلى نحو شبه يومي، لكن أين؟.. نكش شعره مرّات عدة، وحكّ أذنيه وعينيه، ونظر إلى سقف الغرفة، محاولًا التذكر. ولا يدري لماذا استحوذ عليه هذا “الضائع”، تحديدًا، على الرغم من أنه قرأ إعلاناتٍ كثيرةً عن مفقودين قبل ذلك، ولم تستوقفه.
شعر بمسؤوليةٍ عظيمة حيال هذا “المفقود”، وبأنه هو الوحيد الذي “يعرف عنه شيئًا”، وإذا لم يتذكّره، فسيبقى قابعًا في مخفر الشرطة، ولن يسأل عنه أحد، فطفرت دمعتان من عينيه، وراح يتخيل مبلغ الأسى الذي ترزح تحت وطأته عائلة “المفقود” في هذه اللحظة، لكن الأنكى من ذلك إذا كان الرجل وحيدًا، بلا عائلةٍ أو أقارب أو أصدقاء، فسيكون ضياعُه مضاعفًا في مثل هذه الحالة، فزاد أساه وتفطّر قلبه، وقرّر أن عليه أن يتذكّر بأي ثمن.
أعاد تأمل الوجه الذابل في الصورة. تُرى أين رأى هاتين العينين الغائرتين؟ كاد يقفز عن كرسيه حين تذكّر عيني جاره “مجهول” الذي يصادفه على نحو صباحي في الحيّ الذي يقطنانه، وهو يعلم أن هذا الجار عاطلٌ عن العمل منذ سنوات، كحاله هو، وبأنهما يخرجان يوميًّا للبحث عن عملٍ من دون طائل، كما أنه، على غراره، لا يمتلك أوراقًا ثبوتية.. لكنّ شيئًا ما لجمه عن الوقوف عن كرسيه، لأنه خشي ألا يكون ذلك الشخص هو المقصود، وربما كان عليه أن يعيد التدقيق أكثر.
ثم أوشك أن ينهض ثانيةً، حين تذكّر صديقه “غريب”، المعارض الذي كان زميلًا له في السجن سنوات عدة، بتهمةٍ مماثلة، له وهي “المطالبة بالحريات والحقوق الأساسية”، وتذكّر كم تعرّضا سويًا للتعذيب اليومي، ولم يخرجا من السجن، إلا بعد تدخل منظماتٍ حقوقية عديدة، وهو أيضًا لا يمتلك أوراقًا ثبوتية؛ لأنها صودرت كلها بعد تجريده من حقوقه المدنية. لكن تكرّر ما حدث مع الشخص الأول، حين شعر أن المعنيّ في الصورة ليس هذا الزميل.
كاد ييأس، لولا أنه تذكّر “منبوذ”، ذلك الكهل المعدم مثله الذي يعيش في الحيّ المجاور، والذي يحرث الشوارع يوميًا على غراره هو، محدّقًا للأعلى، وكأنه يحيا غيبوبةً تامةً عن كل شيء، وكثيرًا ما كانا يتجاوران في المسير، معًا، من دون أن يتحدّث أحدهما إلى الآخر، وكأنهما قرّرا الغياب الطوعي عن عالمٍ لم يعد لهما فيه مكان، غير أنه عاود الجلوس، لأنه تذكّر أن الصورة تشبه، أيضًا شخصًا آخر.
كان الشخص الآخر، هو “مطرود”، اللاجئ العربي مثله الذي فرّ من بلده، بعد فشل ثورة الربيع التي شارك فيها هناك، وضحّى من أجلها بكل ما يملك، لكن “تجار الثورات” تمكّنوا من الانقضاض على هذه الثورة الواعدة، وأعادوا الشعب إلى المربع الأول، فاضطر إلى اللجوء مثلي إلى بلدٍ آخر، بحثًا عما تبقى من فلول أحلام بائدة بالحرية. ومما زاد من ثقة صاحبنا بأن هذا هو الرجل المقصود، لكون اللاجئ لم يعد يمتلك أي أوراقٍ ثبوتية، فقد ضاعت كلها في أثناء هروبه.
ضرب “صاحبنا” جبهته بيده، وحاول النهوض عن الكرسي، كي يمضي إلى المخفر، للإبلاغ عن معلوماته حول هذا الرجل، لكنه ما إن وقف، حتى فوجئ بيدي شرطيٍّ تضغطان على كتفيه لتعيداه إلى الكرسي، ثم يلتف الشرطي إليه ليسأله: “ها.. هل تذكّرت من أنت؟”.

باسل طلوزي

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا