رئاسة ترامب بأيامها المئة: قاضي المحكمة العليا “إنجاز” يتيم

مع حلول اليوم السبت، يكون قد مرّ مائة يوم على رئاسة دونالد ترامب لأميركا. وفي العادة يجري اعتماد حصيلة هذه الفترة كمقياس مبكر لأداء الإدارة الجديدة، ولمدى انتظام بوصلتها وتماسك مسيرتها. وحسب ما سجله التاريخ، غالباً ما كانت هذه البداية بمثابة شهر عسل لصاحب التجربة الأولى في البيت الأبيض. وإذا لم يقو خلالها على تحقيق بنود مهمة من برنامجه، فعلى الأقل يتحاشى الفشل والوقوع في التخبط الذي يزعزع الثقة برئاسته من البداية.

رئاسة ترامب تشذ عن هذه القاعدة. كانت هذه الفترة، حسب الغالبية الساحقة من التقويمات والتقديرات، أبعد ما تكون عن شهر العسل. رصيده الراهن من الشعبية 42 في المائة، وفق آخر استطلاع وضعه في منزلة “الأسوأ بين سائر الرؤساء المعاصرين خلال المائة يوم الأولى” من حكمهم. حصيلة بائسة، جاءت نتيجة عاملين: التقلب في المواقف والعجز عن ترجمة وعوده الكبيرة التي تعهد بتحقيقها خلال هذه المدة. تعهد بسياسات ومشاريع من الوزن الثقيل، داخلية مثل تجديد البنية التحتية، والرعاية الصحية، وبناء الجدار الفاصل مع المكسيك، وخارجية مثل سحق تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) وبسرعة. لكنه وجد أن وعوده بشأنها كانت من نوع الترف الخطابي أثناء الحملة الانتخابية. انتقل من “التبجح إلى واقع الحكم” وحساباته، كما قال أحد المعلقين، خصوصاً عندما اكتشف أن تمرير برامجه في الكونغرس ليس بالسهولة التي تصورها خلال هذه الفترة، حتى بوجود غالبية من الجمهوريين في مجلسي الشيوخ والنواب كان من المفترض أن تقف إلى جانبه. وفي ظل هذا التعثر لم يستطع سوى تمرير مرشحه لملء المنصب الشاغر في المحكمة العليا. ولم يحصل ذلك إلا لأن الجمهوريين في مجلس الشيوخ أصروا على اختياره. وبالكاد تمكنوا من الموافقة على تعيينه بعد تغيير قاعدة التصويت على ترشيحه.


 الكثير من الرؤساء قبل ترامب تعثروا في البداية ثم صححوا المسيرة بعد ذلك

تفاقمت الفجوة بين التصور والواقع، بتضافر عناصر غير معروفة في تاريخ الرئاسة. فهو أول رئيس يجمع بين إمبراطورية أعمال (ولو بإدارة ولديه) وبين رئاسة عائلية. المآخذ تتراكم على هذا الجمع، والذي يرى الكثير من المراقبين أنه يعود بالفائدة على مشاريع الرئيس التي تحمل اسمه، بما يخالف القانون، حسب بعض الخبراء. زاد من الانتقادات والاعتراضات تسليم ابنته إيفانكا وزوجها جاريد كوشنر مهام وملفات وأدواراً، وفي البيت الأبيض بالذات، ما كان من المحتمل وصولهما إليها لولا الرابط العائلي. ثم تزايد التأفف من مغادرته شبه الأسبوعية للبيت الأبيض، خلافاً لوعوده، لقضاء إجازة نهاية الأسبوع في منتجعه الفخم في ولاية فلوريدا. جولات كلفت الخزينة حتى الآن ما يفوق كلفة سفرات الرئيس السابق، باراك أوباما في ثماني سنوات. وإلى جانب ذلك ما زالت الغيمة الروسية الداكنة تحوم فوق رئاسته، مع ما تحمله من شبهات حول وجود علاقة بين عناصر من فريقه الانتخابي وبين الروس، في محاولتهم، عبر القرصنة الالكترونية، التأثير في انتخابات الرئاسة لصالح ترامب. وهي قضية لا تزال قيد التحقيق، في الكونغرس ومن جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي، فضلاً عن أنها أدت إلى إقالة مايكل فلين بعد أقل من شهر على تسلمه مهمته كمستشار الأمن القومي للرئيس. وقد تكشف أخيراً، ومن جديد، اتهامه بخرق القوانين قبل تعيينه في منصبه بالبيت الأبيض، بما يرجح إعادة فتح ملفه لمحاكمته.

اقــرأ أيضاً

100 يوم بالبيت الأبيض: ترامب يسابق الزمن لتحقيق انتصارات

في ظل هذه المعطيات، كان من الطبيعي أن ينسحب التخبّط على التعامل مع القضايا والأزمات الدولية القائمة. في هذا الحقل، كان هاجس ترامب إثبات أنه على نقيض سلفه أوباما. لكن حتى الآن تبين أنه حافظ على الاستمرار بنفس الخط عملياً. وحتى يبدو أنه استبدل الرخاوة بالتشدد، قام بقصف قاعدة الشعيرات السورية واستخدم “أم القنابل” في أفغانستان، ثم عمد إلى التلويح بالعصا ضد كوريا الشمالية. لكن كل هذه الخطوات النوعية بقيت في خانة رد الفعل الذي حظي بتأييد واسع من قبل معظم الأوساط الأميركية التي سارعت إلى مطالبته بصياغة سياسة واضحة بعيدة المدى للتعامل مع هذه الساحات، بدلاً من سياسة الاستنساب المتقلبة التي أدت إلى “الحيرة والارتباك العالمي حلال المائة يوم الأولى” بحسب ما قال نائب رئيس “مركز وودرو ويلسون” للدراسات والبحوث في واشنطن، آرون ديفيد ميلر.


 تزايدت الانتقادات والاعتراضات على تسليم ابنته وزوجها مهام وملفات وأدواراً في البيت الأبيض

لتغيير المشهد، وجرياً على عادته لخطف الأضواء، قرر ترامب القيام بخطوتين نوعيتين، داخلية وخارجية: الكشف عن مشروع لخفض الضرائب واستدعاء كامل أعضاء مجلس الشيوخ إلى البيت الأبيض، للتباحث بشأن كوريا الشمالية. كلاهما جاء قبل 72 ساعة من نهاية المائة يوم الأولى. واضح من التوقيت أن المقصود هو تزيين هذه الفترة، في آخر أيامها، بما يشبه الإنجاز. مع أن مشروع الضرائب سبق لوزير المالية أن حدد أغسطس/آب المقبل لطرحه على أقرب تقدير وليس الآن. واستدعاء مجلس الشيوخ إلى البيت الأبيض، خطوة غير مسبوقة أثارت الاستغراب. وكأن في الأمر تحضيراً لعمل ما ضد كوريا الشمالية إن هي أقدمت على تفجير نووي. مع أن هذا الملف بدا أن الإدارة وضعته حالياً بعهدة الصين، والتي بات ترامب يتحدث بلغة الإطراء عن رئيسها. على هذه الخلفية، هل يصح القول في المائة يوم الأولى من عهد ترامب بأنها تشكل عنوان رئاسته؟ ليس بالضرورة. فهذا المؤشر الأولي ليس بحتمي. رؤساء كثر قبله تعثروا في البداية ثم صححوا المسيرة في ما بعد. لكن انطلاقة ترامب كانت مختلفة. كانت كذلك لأن صاحبها ظاهرة غير مسبوقة استولدت رئاسة مجبولة بالإشكالات.

اقــرأ أيضاً

استدارة دونالد ترامب: أسباب داخلية تحكم خيارات خارجية

واشنطن ــ فكتور شلهوب

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا