رحيل جوناثان ديمي: تناقضات الإبداع السينمائي

تُختَصر السيرة المهنيّة للسينمائيّ الأميركي جوناثان ديمي (1944 ـ 2017) بفيلمي “صمت الحملان” (1991) و”فيلادلفيا” (1993). لكن، رغم تشكيلهما ركيزة أساسية في اشتغاله السينمائيّ، بدءاً من منتصف السبعينيات الفائتة، إلاّ أن له نتاجاً سينمائياً، موزّعاً بين الروائي والوثائقي، يستحق التنبّه إلى شيءٍ من حيويته الإبداعية، والتزام صانعه أحوال أناسٍ يواجهون أقدارهم برغبة جامحة في خلاصٍ معلَّق. ومع أنّ جزءاً كبيراً من حياته الفنية يعرف إخفاقاتٍ نقدية وتجارية؛ إلاّ أن أفلاماً عديدة تُساهم في جعله أحد سينمائيي هوليوود، بالإضافة إلى جنوحه نحو سينما مستقلّة، تُعينه على استكمال بعض مشاريعه.

لكن رحيله في 26 إبريل/ نيسان 2017 يدفع كثيرين إلى استعادة هذين العنوانين تحديداً، لاعتبارهما أكثر أعماله جماهيريةً، ونجاحاً نقدياً. وهما، في الوقت نفسه، يعكسان بعض جمالية السينما في مخاطبة الذات الفردية، بهواجسها وأسئلتها وتحدياتها، وإنْ باختلافٍ في الشكل والمعالجة والبناء الدرامي للحبكة الأصلية. 

فـ “صمت الحملان”، المستوحى من رواية الأميركي توماس هارّيس (1940) بالعنوان نفسه (1988) ـ علماً أن للشخصية الرئيسية، هانيبال ليكتر، روايتين أخريين لهارّيس: “هانيبال” (1999) و”نهوض هانيبال” (2006) ـ يمزج التشويق والمطاردة البوليسية بأسئلة الوجود والتأمل والعلاقات المبطّنة بين طرفين، وصولاً إلى معنى الحبّ والتباساته الخطرة، القائم بين آكل لحوم البشر، الدكتور ليكتر (أنتوني هوبكنز)، والعميلة في “المكتب الفيدرالي للتحقيقات”، كلاريس ستارلينغ (جودي فوستر)، التي تُضطر إلى التعاون معه بهدف إلقاء القبض على بوفالو بل.

أما “فيلادلفيا”، المرتكز على القصة الحقيقية للمحامي جيوفري بووِرز، فيُعتبر أول فيلم هوليوودي يتناول مرض “فقدان المناعة المكتسبة”، عبر شخصية أندرو بيكيت (توم هانكس)، الذي يُطرد من شركة محاماة، بسبب إصابته بهذا المرض، ما يدفعه إلى مقاضاتها، والتغلّب عليها، والفوز بتعويضات مالية كبيرة، قبل وقتٍ قليلٍ للغاية على موته. لكن الفيلم يغوص في أسئلة المثلية الجنسية، والخوف المرضي إزاءها، في مجتمع أميركي مضطرب إزاء هذه المسائل.

بعيداً عنهما، يعود جوناثان ديمي إلى القرن الـ 19، في “المحبوبة” (Beloved)، وهو اسم شخصية أساسية تؤدّيها ثاندي نيوتن. فالاقتباس السينمائي (1998) عن رواية الأميركية توني موريسون (1931)، الصادرة بالعنوان نفسه عام 1989، يتابع حكاية أم وابنتها في صراع مع أنماط الحياة القاسية، خصوصاً بعد غياب زوجها، وانتباهها إلى “شبحٍ” ترى فيه صورة مولودة تتخلّى عنها قبل سنين مديدة. وإنجازه نسخة جديدة من “المرشح مانشوريان” (2004) سيُشكّل منعطفاً له، إذْ يؤدّي فشله النقدي والجماهيري بالمخرج إلى بداية مرحلة أقلّ أهمية من سابقتها.

اقــرأ أيضاً

قبل نادين الراسي: مشاهير اختُرقت خصوصيتهم…. ماذا يستفيد المتطفّلون؟

نديم جرجوره

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا