زفة القائد إبراهيم عيسى

الموقف الإنساني السليم أن تدافع عن المظلوم، حتى لو كان المظلوم خصمك، وتكون ضد الظلم، بإطلاق، وعلى طول الخط، حتى لو كان الظالم حليفك وصديقك.

من هذه النقطة، لا غضاضة، على الإطلاق، في إعلان التضامن مع إبراهيم عيسى، أول بلكونة تلفزيونية أطل منها عبد الفتاح السيسي على الجمهور، وهو يخضع للتحقيق أمام سلطات السيسي القضائية، حتى وإن كان عيسى، مثل كثيرين غيره، لم يحرّكوا ساكناً وهم يرون الظلم يدهس عشرات من السياسيين والإعلاميين، من المختلفين أيديولوجيا وفكرياً.

أعلم أنه يمكن لعبد الفتاح السيسي، لو وقف بين يدي العدالة يوماً، وسئل عن جرائمه وفظائعه ضد حقوق الإنسان وحرياته، يمكن له أن يقول، وهو مطمئن، إنه فعل ما فعل نزولاً عند رغبات نخب سياسية وإعلامية، كانت ناشطةً في تحريضه، ودفعه دفعاً إلى الفتك بالمختلفين معهم، والتنكيل بهم، حماية للوطن.

يمكن للسيسي، ومحاميه، أن يستحضروا عشرات المقالات والمقاطع التلفزيونية، لمثقفين يشبهون إبراهيم عيسى، يحرّضون السيسي على قتال”الكفار” بالانقلاب، وبالثلاثين من يونيو العظيم.

لكن كل ما سبق لا يعني أن تكون موافقاً، أو متواطئاً بالصمت، أو محتفلاً بالصياح الشامت، في دوران الدائرة على إبراهيم عيسى، وشربه من الكأس ذاتها، حين يُقاد إلى التحقيق، بالتهم ذاتها التي حرّض على خصومه بها، أو سكت عن قمعهم وقهرهم بها.

غير أن هذا الموقف لا يمنعك، على الإطلاق، وأنت ترى إبراهيم عيسى في كامل أناقته، محاطاً ببهلوانات السيرك القومي لحقوق الإنسان، مصحوباً بتغطيةٍ حيةٍ ومباشرة، وألعاب نارية على شبكات التواصل الاجتماعي، لا يمنعك أن تقارن وتذكر بالكيل بمكيالين، وبانتقائية عنصرية، فاشية بالأحرى، لا تطلب العدل، إلا للأصدقاء وذوي القربى، بالدم والمصاهرة الأيديولوجية، والأخوة في الشلة أو اللون السياسي، بينما تصمت، في الغالب، عند قمع الآخرين.

من حقك، بل من واجبك، أن تضع صورة محمود حسين، صحافي “الجزيرة”، الأسير في زنزانة انفرادية في واحد من سجون نظام السيسي، تاركاً تسعة من الأبناء يواجهون جحيماً مجتمعياً مخيفاً، في مواجهة مشاهد زفة “القائد إبراهيم” عيسى، والموكب الضخم الذي رافقه إلى النيابة وعاد به، منتشياً، مجللاً بإخلاء سبيل، قد ينطلق منه إلى مقعدٍ بارز في تلك الفضائية الجديدة، إن صحت أنباء ترشيحه للعمل بقناة المخابرات الجديدة.

من حقك أن تتساءل: من أي مادةٍ مطاطيةٍ صنعت ضمائر هذه النخب السياسية والحقوقية، الملتاعة مع حالة إبراهيم عيسى، والمنتشية صمتاً راضياً، مع حالة محمود حسين، وعشرات آخرين من “المحمود حسين” يقبعون في الزنازين، وكل جريمتهم أنهم صحافيون لا يطبلون ولا يزمرون، ولا يستخدمون طلاء لأظافر الفاشية الصاعدة.

شخصياً أدهشني أن الشخص ذاته الذي ذهب يدافع عن حرية كلمة إبراهيم عيسى، ويعتبر حقه في التعبير مقدساً، هو ذاته الذي جرى استخدام رأيه القانوني في مصادرة مقالات كتاب آخرين ومنع نشرها، منهم مقالي عن مذبحة رابعة العدوية، ولم يشعر بأدنى وخز ضمير، وهو يرضى باستخدام فتواه القانونية سكيناً لذبح الرأي والكلمة.

جميل جداً ورائع وإنساني، ومنتهى الرقي أن يصاب الجميع بالقلق والهلع على حرية التعبير وشرف الكلمة، حين يُساق كاتب إلى القضاء والسجون، شريطة أن نسقط اسم الكاتب وانتماءه الفكري، وعلاقاته الشخصية، من الموضوع، وننتصر للكتابة، بوصفها كتابة، لا بوصفها الكتابة التي تروق لنا، وأن نتضامن مع الكاتب، باعتباره كاتباً، وليس لكونه الكاتب الذي نتفق مع ما يطرحه.

وخلاف ذلك، دعني أكرّر أنه ليس أكثر انحطاطاً من كائنٍ يناضل من أجل الحرية، إذا فقدها أحد من شلته، أو أهله وعشيرته، فقط، فإذا جاءت سكت.

تلك هي عنصرية النضال الملون التي تحكم سلوك طيف واسع ممن يصنفون ثوارا وحقوقيين، فتجدهم صناديد جبارين بتارين، حين يتعلق الأمر بمن هو صديق أو رفيق، بينما لا يرون ولا يسمعون ولا يتكلمون، إلا همسا، إذا كان السيف على رقبة الذين لا يستلطفونهم.

وائل قنديل

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا