ساحرات ماكبث وساحرات ترامب

يوم 26 فبراير/ شباط، أورد موقع “بي بي سي” العربي خبراً يفيد بأن سحرةً وساحراتٍ على امتداد الولايات المتحدة، أقاموا، مع انتصاف ليل الجمعة الماضية، شعائر سحرٍ تهدف إلى إخراج دونالد ترامب من البيت الأبيض. وقد دعا أحدهم إلى استخدام شمعةٍ برتقاليةٍ، يُحفر عليها بالدبوس اسم الرئيس الأميركي، وتضاء أمام صورةٍ قبيحةٍ له، مع نوع معيّن من ورق اللعب، ثم تلاوة بعض التمائم قبل إحراق صورته. الطريف في الأمر هو رد فعل “تحالف المسيحيين القوميين” الذين اتهموا السحرة بشنّ حربٍ روحيةٍ على ترامب، وجلب سوء الطالع له، داعين إلى جعل 24 فبراير “يوم صلاة” لإبطال مفعول السحر. 
نحن في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، عشية اكتشاف مجموعةٍ شمسيةٍ جديدة، وكواكب تقترب طبيعتها وعناصر تكوينها من أرضنا، معزّزة فرضية وجود حياة. ونحن في الدولة العظمى التي تدعى أميركا، لا بل في أكبر وأعظم قوة سياسية واقتصادية وعسكرية حالية على وجه الأرض. ومع ذلك، ثمة ما يذكّر بذلك الرعب الذي كان يثيره في النفوس تبوُّء الطغاة الدمويين السلطة في قرون خلت، حيث كان يُعزى الأمر إلى سوء الطالع، أو إلى تدخّل القدر، وتُقرأ في السماء علاماتُ الآتي العظيم المبشّر بالأسوأ. وقد لا يكون غريبا حقا أن يتحرّك من يدعون أنفسهم سحرة وساحرات، إلى جانب تحرّكات الاعتراض المدنية الأخرى المطالبة باستقالة الرئيس دونالد ترامب، فثمّة ما يقول بوجود “خرافةٍ” ما، أوصلت إلى الرئاسة شخصا مثل ترامب، لا يتمتّع بأيّ من المواصفات أو المزايا التي ينبغي أن يتمتّع ببعضها على الأقل، من يفترض وصولهم إلى سدّة الرئاسة في دولة ديمقراطيةٍ ومتقدّمةٍ، كما هي حال الولايات المتحدة، أو حال الصورة التي تريد ترويجها عن نفسها. 
أما حين يحضر الكلام عن السحر والسلطة والخرافة، فلا بد من استعادة لقاء الساحرات الثلاث الأشهر، (ثلاث عجائز نحيلات قبيحات، ملتحيات، بارزات العظام)، وهن يفتتحن المشهد الأول في إحدى أشهر مسرحيات شكسبير، “ماكبث”، بجملتهن الاستثنائية المنطبقة بشكل مدهش على عصرنا الحالي: “قد غدا الجميل قبيحا، والقبيح جميلا”، ويظهرن من ثم في المشهد الثاني، في جوّ من الرعب والشؤم، متنبّئاتٍ لماكبث العائد منتصرا من الحرب، بترقّيه المحتوم وصولا إلى تتويجه ملكا. 
وتأتي أهمية نبوءة الساحرات من تأثيرها على ماكبث، ومن علامات الاضطراب التي ستخلفها في نفسه، وهذا معناه أن فكرة القتل ليست غريبةً عنه كلية، وأن حلم السلطة قد داعبه سابقا، وأن الشرّ كان كامنا فيه، بدليل أنه اختار القتل لتحقيق النبوءة. فبتحريضٍ من زوجته الطموحة، اللايدي ماكبث، التي يدفعها فقدُها الحبّ والأمومة إلى رعاية ميول زوجها وحلمه بالسلطة، سيستضيف ماكبث الملكَ في منزله، وسيقتله في سريره ليعتلي بدوره العرش، في حين ستصاب هي بالجنون، غارقةً في ندمها، مطلقة جملتها الشهيرة: “كل عطور الجزيرة العربية لن تقوى على محو هذي البقعة (دم) عن يدي”. 
بعد ذلك، تظهر الساحرات الثلاث في المشهد الخامس من الفصل الثاني، بمعية زعيمة الساحرات التي ستخبرهن أنها ستلقاهن في نهر من أنهار الجحيم، إلى حيث سيأتي ماكبث للسؤال مجدّدا عن مصيره. وفي المشهد الأول من الفصل الرابع، ينطلق ماكبث إلى الغابة، للقاء الساحرات للمرة الأخيرة، فهو كلما ازداد إجراما تضخّم خوفه على مصيره، وازداد شعوره اللاواعي بالذنب. لذا فإن الساحرات سيستقبلنه استقبال الفاتح، وسيستحضرن له أشباحا يشجّعونه على المضيّ في خوضه بالدم، مطمئنين إياه إلى أنه لن يموت إلا متى مشت غابة بيرنام إلى دانسين، وأنه لن يقتل على يد رجلٍ ولدته امرأة، إلا أن مصير ماكبث سيكون الموت، في أكثر المسرحيات أخلاقية في محاكمتها للشرّ. 
بالطبع، ترامب ليس ماكبث، فهو في أقل تقدير، لا يتمتّع بـ”السماكة” الدرامية نفسها. لكنه، في وصوله إلى سدة الرئاسة، يستحضر “خرافةً” ما لا بدّ أن توقظ بدورها كل الخرافات.

نجوى بركات

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا