صفقة ترامب للقرن وحل اللادولة

جاء مصطلح “صفقة القرن”، وكأنه الأكثر ملاءمة لما يفكّر فيه الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، القادم من عالم المال والاستثمار، أي عالم البيزنس، ولغة الصفقات هي اللغة التي تجيدها، بل وتبرع فيها الصهيونية العالمية. وصفقة القرن الجديدة التي بدأ ترامب ترويجها مبكرا في أثناء حملته الانتخابية، تتعلق بقضية فلسطين، وهي أكثر القضايا التي شهدت صفقاتٍ تلو صفقاتٍ عبر أكثر من قرن. بدأت في القرن التاسع عشر الذي شهد صفقات الهجرة اليهودية المبكرة إلى الأراضي الفلسطينية، وكانت أولى موجاتها المنظمة في العام 1882 إلى مدينة حيفا على الساحل الفلسطيني. وتوالت موجات الهجرة غير المشروعة، وكان أبرز حدث قبيل نهاية ذلك القرن عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية، برئاسة الصهيوني تيودور هيرتزل في العام 1892، والذي تم فيه الاتفاق على إقامة دولة صهيونية لليهود في فلسطين التي أسموها أرض إسرائيل أو.. إيرتز إسرائيل. 
وانتهى القرن التاسع عشر بتلك الصفقات التي حملت إرهاصات الصفقة الأهم والأكبر، والتي شهدها القرن العشرون، وهي إقامة الدولة العبرية “دولة إسرائيل” على الأرض الفلسطينية. والتي مرت بمرحلتين، حققت الحركة الصهيونية في المرحلة الأولى صدور وعد بلفور من بريطانيا العظمى الذي يعطي لليهود الحق “غير المشروع” في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين، وأعقب ذلك احتلال بريطانيا فلسطين، ووضعها تحت الانتداب البريطاني في إطار اتفاقية سايكس- بيكو التي رسمت مستقبل (التركة العربية) للخلافة العثمانية، وقسمتها إلى دول ودويلات، تقاسمت النفوذ عليها بريطانيا وفرنسا، عدا فلسطين التي وضعت تحت الانتداب البريطاني مباشرة، من دون أي سلطة عربية محلية تابعة، كما كان الحال في باقي دول المنطقة العربية. 
ومع الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، استكملت الحركة الصهيونية صفقة القرن

“تصفية ما تبقى من الكيان الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس الشرقية بالتوسع في سياسة الاستيطان”

العشرين، وهي قيام دولة إسرائيل بالفعل على أرض فلسطينية، وحصولها على الاعتراف الدولي، وتكريس وجودها بدخولها الحرب ضد مجموعة من الدول العربية، عرفت بعد ذلك بدول الطوق المحيطة بدولة العدو الإسرائيلي، وهي مصر والأردن وسورية ولبنان، مع دعم من دول عربية أخرى. انتهت تلك الحرب بهزيمة العرب في 1948، وتأكيد ما عُرفت بأنها “نكبة فلسطين”، وتم عقد اتفاقيات هدنة بين الدولة العبرية ودول الطوق العربية الأربع، كل منها على حدة، وكان ذلك بمثابة اعتراف ضمني بها، وإقرارٍ بصفقة القرن العشرين لصالح الصهيونية.
المثير في صفقة القرن العشرين أنها تمت لصالح اليهود، بينما لم يحاول العرب تحقيق أي مكسب، حتى ما قرّرته لهم الأمم المتحدة في قرارها 181 المجحف بالتقسيم، وقد صدر في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1947، وكان يقسم فلسطين بين العرب واليهود. وسارع العرب إلى إعلان رفضهم القرار، بينما صمت اليهود عنه تماماً، فلم يعلنوا رفضه أو قبولهم له، والغريب أن صمتهم وتجاهلهم ذلك القرار مستمر إلى اليوم. وهكذا خرجت الدول العربية من صفقة القرن العشرين الصهيونية، والتي تمت برعاية دولية، خالية الوفاض، بل أكثر من ذلك، عملت على تمييع قضية الشعب الفلسطينى وهويته، بعد فشل إقامة حكومة عموم فلسطين فى قطاع غزة برعاية مصرية برئاسة الفلسطيني أحمد حلمي باشا، بعد تحالف أعيان الضفة الغربية في مؤتمرهم في أريحا، وإعلانهم مبايعة الملك عبد الله، لضم الضفة الغربية إلى شرق الأردن، وهو ما ترتب عليه اعتراض باقي الدول الست أعضاء جامعة الدول العربية فى ذلك الوقت، واتخاذ قرار بتعليق عضوية الأردن في الجامعة، وتعيين أحمد حلمي باشا ممثلا عرب فلسطين في الجامعة.
انتهى القرن العشرون، بعد أن شهد عدة جولات من الحروب بين دولة العدو الإسرائيلي، التي جاءت نتيجة “صفقة القرن العشرين” وعدد من الدول العربية، وكان أخطرها حرب الخامس من يونيو/ حزيران 1967، والتي انتهت بهزيمة مروعة للعرب، أطلقنا عليها مصطلح النكسة، احتل فيها العدو الإسرائيلي كامل أرض فلسطين التاريخية، بالإضافة إلى سيناء المصرية والجولان السوري ومزارع شبعا اللبنانية، ثم كانت حرب أكتوبر 1973 التي تعرّض فيها العدو الإسرائيلى إلى هزيمة عسكرية لأول مرة في معركة اقتحام قناة السويس، وخط بارليف، على الجبهة المصرية، في سيناء، ولعلها الهزيمة العسكرية الأولى والأخيرة له حتى الآن. والمثير أن القرن العشرين لم ينته إلا وكانت إسرائيل قد حصلت على اعتراف رسمي من دولتين من دول الطوق العربي، مصر والأردن، عبر معاهدتين للسلام بينها وبين كل منهما، وارتفع علمها في قلب العاصمتين العربيتين، القاهرة وعمّان.
لعل ذلك كان فصل الختام في صفقة القرن العشرين الصهيونية، ليبدأ التمهيد لصفقة القرن الواحد والعشرين، والتى نحن بصددها في هذه المرحلة البائسة من مراحل التاريخ العربي المعاصر، والتي توصف أكاديمياً بأنها مرحلة ضعف وانحطاط حضاري للأسف الشديد.
ترتكز الصفقة الكبرى باختصار على ثلاثة محاور رئيسية: استكمال بناء الدولة العبرية

“يبقى الأمل فى المقاومة الفلسطينية، وظهيرها من أبناء الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، والفلسطينيون في الخارج، وأيضاً تحت سلطة دولة العدو الإسرائيلي”

اليهودية على ما تُسميه الصهيونية العالمية أرض إسرائيل التوراتية “إيرتز إسرائيل”، وهى تمتد من البحر المتوسط إلى نهر الأردن، وبالطبع تضم الضفة الغربية أو يهودا والسامرة، والقدس الموحدة عاصمة لها. تصفية ما تبقى من الكيان الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس الشرقية، عبر التوسع في سياسة الاستيطان اليهودي في الضفة، وعمليات تهويد القدس، ودمج من يمكن دمجهم من الفلسطينيين في كيان دولة الأردن، ومن يتبقون يمكن دمجهم في المجتمع الإسرائيلي بأوضاع عرب 48 نفسها، مع إعطائهم بعض حقوق الإدارة المدنية المحلية. والمحور الثالث لعله الأصعب والأعقد، حيث يتعلق بقطاع غزة، العدو الإسرائيلي لا يعتبره فى إطار أرض إسرائيل التوراتية، فلا يعني المحتلين الصهاينة من وجهة نظر الجغرافيا السياسية، أو الأحلام التاريخية، ولكنه يؤرقهم باعتباره بؤرة للمقاومة الفلسطينية المتمسّكة بالهوية، والحقوق المشروعة فى أرض ووطن فلسطيني، وقنبلة قابلة للانفجار في أي وقت غير محسوب. وأقرب الحلول المطروحة أن يتحول قطاع غزة إلى ما يشبه الإمارة الفلسطينية التي تحمل الهوية وترضي طموحات وطنية وهمية، بإقامة دولة على أرض القطاع، مع مشروع إقليمي لتبادل الأراضي، يهدف إلى توسيع الرقعة الجغرافية للقطاع. 
 تلك هى أبعاد “صفقة القرن” مهما اختلفت الصياغات، فلا مجال لحل “الدولتين”، كما كان مطروحاً من الرباعية الدولية، أو ما تعرف بمبادرة السلام العربية. ولا مجال لحل “الدولة الواحدة”، كما كان يطرحه رئيس منظمة التحرير الراحل ياسر عرفات، وما زال يتطلع إليه بعض الفلسطينيين، برؤية دولة فلسطينية ديمقراطية، تضم العرب واليهود على قدم المساواة مع حق العودة. ولكن الصفقة باختصار تعني حل اللادولة. فقط مجموعات من السكان، يعيشون في بعض المناطق المتفرقة. وبالطبع، سيحمل المشروع أسماء براقة من قبيل حل السلام الشامل والدائم والمصالحة التاريخية والقرارات الشجاعة ومجموعة من جوائز نوبل للسلام.
يبقى أن ندرك أن عرّاب تلك الصفقة هو دونالد ترامب وإدارته واللوبي اليهودي الأميركي الذي تحركه إسرائيل، ومطلوب لتلك الصفقة أطراف عربية رئيسية، لتفعيل المحاور الثلاثة للصفقة، في مقدمتها السلطة الوطنية الفلسطينية للمحور الأول، والأردن للثاني، ومصر للثالث، والمملكة العربية السعودية لتوفيق أوضاع مبادرة السلام العربية مع الصفقة. وعلى تلك الأطراف العربية أن تدرك جيداً ما يمكن أن تمثله تلك الصفقة الملغومة من كارثةٍ قوميةٍ وإسلامية، لن يغفرها التاريخ مطلقاً لكل من يشارك فيها.
ويبقى الأمل فى المقاومة الفلسطينية، وظهيرها من أبناء الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، والفلسطينيون في الخارج، وأيضاً تحت سلطة دولة العدو الإسرائيلي.
ستبقى الهوية الفلسطينية حتما، وستقوم الدولة الفلسطينية حتما، والقدس بمسجدها الأقصى ستتحرّر حتما. علينا، نحن العرب، أن نجعل من ذلك قضيتنا للقرن.

عادل سليمان

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا