طليعية سياسية

جاءت وقائع اليوم الدراسي الذي نظمه حزب التجمع الوطني الديمقراطي يوم الأول من أبريل/ نيسان الجاري في مدينة الناصرة الفلسطينية، بمناسبة مرور عشر سنوات على خروج مؤسسه، الدكتور عزمي بشارة، إلى المنفى القسري، لتُبرهن مرة أخرى على طليعية أفكارهما أولًا ودائمًا. 
ولا تنطبق هذه الطليعية على ما كانه هذا الحزب في لحظة تأسيسه في تسعينيات القرن العشرين الماضي فقط، بل إنها مستمرة الآن أيضًا، وعلى مستويين متصلين: الأول، المتعلق بوضعية الفلسطينيين في مناطق 1948 وخصوصيتها. الثاني، المُرتبط بالقضية الفلسطينية عمومًا، وما خضعت له من تحولات. 
وتبنّى حزب التجمع، منذ تأسيسه، فكرًا سياسيًا يتناءى عن التبرير، ولا يلجأ إلى الوصف إلا من أجل الاستشراف. ورأى إلى السياسة، كما عبرّت مقاربات بشارة العديدة عن ذلك ببريقٍ أخّاذ، باعتبارها صراعًا ضروريًا مفتوحًا من أجل تحقيق تغييرات نوعية لا شكلية. 
وجدت من المُلائم أن أنوّه في اليوم الدراسي بأن بشارة قد يكون الأحقّ بالتعريف بمشروعه ومشروع التجمع هذا، وقراءة مآلاته. لكن، في الوقت عينه، لا يجوز عدم ذكر أنه لم ينعدم لدى خصومه أيضًا من أشار إلى مرامي هذا المشروع، بعد أن أكد أنه طرح لأول مرة “بديلًا مُضادًا مُنظمًا ومنطقيًا ومتكاملًا للمشروع الصهيوني”، على مستوى فلسطين والمنطقة العربية كلها. 
وعلى الرغم من الانضواء ضمن “قائمة مشتركة” واحدة للفلسطينيين في الداخل، خاضت الانتخابات العامة الأخيرة، تبرز طليعية “التجمع” الآن أيضًا في المستويين السالفين. 
لكي لا يظلّ هذا الكلام عامًّا جدًّا، لا بُدّ من إضافة أن هذه الطليعية مستمدّة أساسًا من حقيقة أن فكر حزب التجمّع لا يزال يؤالف بين تشخيص الواقع بمحدّداته، والاستنتاج الدالّ على جوهر الفعل المُشتهى. وهذا الأمر الأخير يعتوره قصور فاضح في أداء كثير من ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، ولا سيما على مستوى الداخل. 
على صعيد التشخيص، قد لا تختلف التيارات السياسية الفلسطينية، خصوصا في الداخل، على أن المرحلة الحالية تتسم أكثر شيء، في ظل رسوخ حُكم اليمين الإسرائيلي، بالسعي إلى انتزاع الشرعية ليهودية دولة الاحتلال ونظام حكمها من طريق إجراءات كثيرة، في مقدمها سن القوانين العنصرية. ويهدف هذا السعي، كما أشير في اليوم الدراسي بحقّ، إلى إغلاق “ملف الفلسطينيين في الداخل” مرة واحدة وأخيرة، بواسطة تكريس مكانة المجتمع الفلسطيني من طرف واحد، وبشكل تبقى فيه تحت سقف مصالح المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني وأهدافه التاريخية. وحسبما قال أمين عام التجمع، إمطانس شحادة، فإن إسرائيل تقبل بوجود السكان العرب منزوعي الحقوق التاريخية والطبيعية الجماعية، وتريد أن تفرض عليهم مواطنة فردية، من دون العلاقة التاريخية مع الوطن والمكان. 
وشدّدت قراءات إسرائيلية متعدّدة في الماضي على أن السبب الأبرز الواقف وراء السعي إلى انتزاع الشرعية ليهودية دولة الاحتلال، مرتبط بمكانة الفلسطينيين في الداخل، نظرًا إلى أن هؤلاء في معظمهم يعتقدون أن إسرائيل يجب أن تكون “دولة لجميع مواطنيها”. ولذا، فلا حاجة لأن تبقى متمسّكة بـ “طابعها اليهودي”. 
بيد أن الفارق يكمن في الاستنتاج المُترتب على هذا التشخيص غير المُختلف عليه، فبينما يضع حزب التجمع في صلب برنامجه، وفقًا لما جرى التشديد عليه ضمن مداخلات اليوم الدراسيّ، غاية تفكيك النظام الاستعماري الاستيطاني، ويدعو إلى التوافق على كيفية تحقيقها، تكتفي قوى أخرى برفع لواء تغيير السياسات والحكومة، وتتعامل مع ذلك بصفته هدفًا استراتيجيًا، من خلال عدة أدوات، لعلّ أكثرها جدّة إقامة ما يُسمى “معسكر ديمقراطي في إسرائيل”، يكون شريكًا في مسعى استبدال الحكومة الحالية، جريًا وراء سراب إقامة حكومة ليست يمينية، تكون “أقل عداء” تجاه السكان الفلسطينيين، من خلال تجاهل (عامد أو غير عامد، لا يهم) أن هذا العداء مرتبط عضويًا بماهية دولة الاحتلال، وبطبيعتها القديمة- الجديدة دولة يهودية استعمارية. 
هنا، تكمن الطليعية السياسية التي تجمع بين التشخيص والاستنتاج الذي يحدّد مبادئ النشاط. ومن نافل القول إنه نشاطٌ لا يخصّ فلسطينيي 48 وحدهم.

أنطوان شلحت

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا