“طه”.. المونودراما والشاعر

يقول أصدقاء الشاعر (والقاص) الفلسطيني الراحل، طه محمد علي (1931- 2011)، إنه كان أشبه بحكواتيّ في حياته، ويحبّ رواية القصص. وأمرٌ كهذا يسوّغ، ربما، خيار الممثل والمؤلف والدراماتورج، عامر حليحل، أن يقوم عرضُه المونودرامي “طه” عن الشاعر على رواية طه محمد علي سيرته وحكاياتها، ويجسّد شخصه حليحل، بأداء بالغ العفوية في بساطته التلقائية، كما شاهدناه وسمعناه، في “كتارا” في الدوحة قبل أيام، في أول عرضٍ لهذا العمل، المنجز منذ عامين، في دولةٍ عربيةٍ خليجية، في أزيد من ساعةٍ حوفظ، في أثنائها، على إيقاعٍ من الحركيّة والحكي، كان موفقاً في إبقاء مشاهديه ومستمعيه منجذبين إليه، من دون شعور بملل أو رتابة. 
يجوز الزّعم إن البطولة في “طه” هي للحكاية التي رويت على الخشبة المتقشّفة، بالديكور الذي لم يتبدّل، والتي لم تشهد غير إضاءاتٍ تنقلت في بعض المقاطع. ولكن، ما كان لهذه الحكاية أن تُحدِث الإيحاءات التي أُريد أن يصنعها السرد، لولا الطاقة التعبيرية الخاصة لدى عامر حليحل، وهو “يتمثّل” طه محمد علي، بكل ريفيّته وفلاحيّته وفلسطينيته، وبكل أحزانه وأفراحه، وبكل ما عَبَر في حياته من خوفٍ وقلق وهواجس، وبكل ما سكنه من وجْدٍ وحب، في حياته منذ ولد في قريته صفورية، بعد ثلاثة إخوة ماتوا فور ولادتهم، وكانت أسماؤهم طه، وكأنه جاء إلى الدنيا “غصبا عنها”، كما سمعناه يقول بعامية ساخرة ومحببة، بلسان عامر حليحل.

بالكاد عُرف اسم طه محمد علي، في الفضاء العربي، شاعرا فلسطينيا، لمّا صار يُصدر مجموعاته الشعرية، بدءا من عام 1983، وكان قد تجاوز الخمسين من عمره. ذلك أن دواوينه، وكذا مجموعته القصصية الوحيدة، صدرت عن دور نشرٍ محليةٍ في فلسطين، محدودة التوزيع، فلم يتيسر للنقد الأدبي والثقافي العربي أن ينتبه إلى تجربة هذا الشاعر الذي اتّصفت قصيدته، غالبا، منذ أطوارها الأولى، بمقادير من النثرية، وبكثيرٍ من الاكتراث بالشخصي، وابتعدت عن لغةٍ أخرى، ذاعت، وهيمنت طويلا على المدوّنة الشعرية الفلسطينية، غير أن هذا الكلام البالغ الاختزال لا يجوز الاعتداد به، ما لم يتسلّح بقراءةٍ كاشفةٍ وعميقةٍ في مجموعات طه محمد علي الشعرية الخمس، وقد صدرت في كتابٍ واحد، في عام 2011 عن دار راية في حيفا. والأدعى أن ينشط أصدقاء الشاعر من أجل توفير طبعةٍ عربية أخرى لها، تسبقها مقدمةٌ وافية، تقف على أهم مزايا قصيدة طه محمد علي، في مبناها وأسلوبيّتها، وفي مناخاتها أيضا، وفي الروح العامة التي كانت عليها “حداثتُها”. وقد تيسّر شيءٌ من هذا في مقالةٍ للناقد أنطوان شلحت غداة وفاة الشاعر، كما أن إشارة الناقد المصري الراحل، غالي شكري، العابرة، إلى “طزاجة” شعرية كلمات طه محمد علي وعفوّيتها، وكذا الإشارة، في غير إطلالةٍ صحافيةٍ، إلى الشاعر الراحل واحداً من صنّاع الحداثة الشعرية الفلسطينية، يحفّزان على إنجاز هذا الجهد المطلوب، والذي ربما يساهم في تعيين مكانة تجربة طه محمد علي في خريطة الشعر الفلسطيني (والعربي)، وهو الذي قرأنا أنه كان على ثقافةٍ طيّبةٍ بقديم الشعر وحديثه، والذي “كأنه جاء إلى الشعر رغما عنه”، بتعبير شلحت. 
لا صلة لهذا الشأن بمسرحية “طه” (إخراج يوسف أبو وردة)، غير أنه ما كان ليتسنّى التنبيه إليه، لولا الفرصة الطيبة التي أتاحتها مجموعة الروزنا الشبابية في قطر لنشاهد العرض الذي إذا ما شوهد في عواصم عربية أخرى (عُرض في عمّان)، وإذا تهيأ بالإنكليزية أيضا، على ما وعد حليحل، فإنه يسعف في تعريفٍ أعرض بشاعر فلسطيني موهوب، في سيرته عصاميةٌ ظاهرة، وشجى فلسطيني طويل، وهو الذي أقامت فيه قريتُه صفورية، وظلت موضوع حنينٍ قاس، وهي التي لا تبعد سوى كيلومترات عن مقامه في الناصرة، على ما أظهرت المسرحية ذلك بإتقان، عندما استنفرت خيال مشاهديها، وهي تنتقل في مروياتها من التهجير إلى عين الحلوة في لبنان ثم العودة إلى فلسطين، ليكون الثبات في الأرض. لسنا نعرف ماذا اشتمل عليه في هذا الشأن كتابٌ عن الشاعر الراحل أنجزته أميركيةٌ إسرائيلية بالإنكليزية (600 صفحة!)، واستوحي منه حليحل كثيرا من مقاطع مسرحيته وسردها، وهذه مناسبةٌ لدعوة أخرى إلى توفير ترجمة بالعربية لهذا الكتاب. …

معن البياري

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا