ظلم المعتقلات وظلمتها

أرسلت في مقالة سابقة “رسالة إلى المعتقلين”، أحيّي فيها تضحياتهم وصمودهم، على الرغم من كل ذلك الظلم الواقع عليهم من دولةٍ تجبّرت، ومن نظامٍ طغى بكل أجهزته على المواطن والإنسان، وحاول من كل طريق أن يجعل من المعتقلين، فضلا عن الذين استُشهدوا، أمثولة للآخرين، حتى يحتجب الناس عن الاحتجاج والمقاومة والمعارضة. وبدا الأمر في أسوأ تعامل مع المعتقلين في حالةٍ متدنيةٍ من أوضاع السجون، ومحاولة جعلها واحدةً من حالات الجحيم على مسجونيها، إذ تفنّن هؤلاء الزبانية في كل أمور التعذيب، لإحداث حالةٍ من الرعب والتفزيع داخل السجون وخارجها.

كانت الإشارة إلى حالة الصمود والتضحية من قبيل المعاني التي نحيّي فيها تلك الرمزية والروح العالية لهؤلاء المعتقلين الذين واجهوا النظام بصدور عارية، يقولون له “لا خارج السجون”، حينما شاركوا في احتجاجاتهم، ويقولون له “لا داخل السجون”، حينما يواجهون كل صنوف ظلمه، ونظّموا حالات إضراب عن الطعام، وحالات احتجاج على سوء المعاملة، ليؤكّدوا بذلك أن إرادتهم لم تنكسر، وأن قدرتهم على مواجهة فاشية هذا النظام وسلخانات السجون وفنون التعذيب والتضييق عليهم لا يمكن أن تنقضي. كان هذا الرفض يشكل علامة صمودٍ كبرى، هذا الصمود يتخذ أشكالا أخرى، تضرب الأمثلة الرائعة في مواجهة بطش الباطشين، واستبداد المستبدّين، ومواجهة هؤلاء الطغاة الملاعين. 
تلقيت، أخيرا، اتصالا من أحد المعتقلين، يتحدث في جوف الليل بصوت خفيض، يحكي لي عن مآسٍ تحدث في مجتمع المعتقلين، الظلم ظلمات، والمعتقلات ظلمة وظلام وظلم، وحكايات المعتقلين أكثر وأكبر من أن تُحصى أو تُحكى، وهو أمر يعني، ضمن ما يعني، أن الاهتمام بحال المعتقلين أمرٌ يجب أن يكون في اهتمام عموم الناس، عليهم ألا يكتفوا فقط بلعن النظام أو بـ”الحسبنة” على الظالمين، أو بالدعاء للمعتقلين بتفريج كروبهم، على الرغم مما لهذه الأفعال من قيمةٍ لا يمكن بأي حال أن نقلل من أثرها، إلا أن الأمر لا يجب أن يقف عند هذه الحدود، إنما يجب اتخاذ خطوات عملية إلى جانب تكثيف الدعاء على الظالمين الذين صاروا يمارسون ظلمهم ليل نهار، وصرنا نحن نتنفس الظلم ليل نهار. 
كما أكّدنا مرارا وتكرارا، صارت تكلفة الظلم المادية والمعنوية أكبر مما نتصوّر مع اتساع

“هل يمكن أن نفكر في ألف طريقةٍ نهزم بها الظلم والظالمين، ونبدّد فيها الظلمة والظلمات؟”

مساحات الظلم والظالمين، وأجواء الظلمة والظلمات، هذه التكلفة التي جعلت هذا النظام يحتفي ويحتفل بإنشائه سجوناً فاق عددها، في السنوات الأخيرة، معدلات ما أنشئ من سجون في تاريخ مصر، فبلغ أكثر من اثني عشر سجنا، وقد كانت هذه السجون قد بلغت الأربعين أو تزيد قليلا، بل ومدّ هؤلاء المعتقلات إلى معسكرات الأمن المركزي، وإلى مناطق حولوها سجونا من دون أن تكون أماكن رسمية للسجن والحبس، وأصبحت بهيئتها تلك مأوى للمعتقلين. 
ناهيك عن الإجرام الذي يمارسه هؤلاء الزبانية في حشر المعتقلين حشرا في أماكن ضيقة، إلى درجة أن عنابر السجون وزنازينها باتت تُكدّس بأكثر من طاقتها بأضعاف مضاعفة، وصار التعامل مع المعتقلين، وخصوصا في سجن العقرب، محل شكوى وأصوات عالية تطالب بإغلاق مثل هذه السجون التي صارت علاماتٍ على الظلم البيّن، في إطار عمل ممنهج من القائمين على مصلحة السجون، ومن لائحة سجون تبدلت، حملت في طياتها القدرة على منع الزيارة عن المعتقل منعا تاما، كأحد أهم أبواب العقاب للمعتقلين، وتكديرهم وأسرهم ظلما وظلمات. 
هل أتاك حديث المعتقل الذي يستمد صموده من تلك الزيارات الدورية التي يقوم بها أهله، حتى لو كانت لدقائق معدودات، ليعين كل منهم الآخر على تحمل هذا الظلم البيّن الواقع على عاتقهم؟ يسرّون عن بعضهم، ويتبادلون الثبات والصمود، ليمكّنوا لعلاقة اجتماعية نشأت عن ظلم المعتقلين تلك، فهذا نموذج لأم اعتقل أولادها واستشهد أحدهم، وليتهم يجمعون أبناءها المعتقلين في سجن واحد، ولامرأة اعتقل زوجها وابنها وبعض أقاربها. ونماذج عدة تشير إلى عائلات منكوبة بأسرها صارت نماذج لحال التنكيل والصمود معا. يتفنن هؤلاء الزبانية في كل أمر يجعل من بعض هذه الزيارات التي كانت من مشاهد تبادل الثبات والصمود، إلى حجز المعتقلين من وراء حواجز زجاجية، وكأنهم يريدون، بتلك الحواجز، أن تخفي حرارة المقابلات ومبادلات الثبات والصمود ما بين المعتقلين وأهلهم، ثم انتقل هؤلاء الزبانية إلى عدم تنفيذ كل الأوامر القضائية، بتمكين المعتقلين من زيارة ذويهم، إلا أن هؤلاء المتبجحين مارسوا كل ما من شأنه تعويق هذه الزيارات وتعطيلها، بل وعدم إتمامها. 
هل أتاك حديث تكلفة الزيارات، وقد قام أحد المعتقلين بحسابها من خلال عدد المعتقلين؟! فتكلفة الزيارة الواحدة ما بين 300 جنيه إلى 500 جنيه، ليكون مجموع تكلفة مصروفات هذه الزيارات فحسب أكثر من أربعة مليارات جنيه، صارت هذه التكلفة مع غلاء الأسعار وانقطاع موارد الرزق عن بعض العائلات وغياب العائل الذي كان يقوم بالعمل والإنفاق على أسرته، فصار الأمر تكلفة مادية رهيبة، لا يستطيع كثيرون من هؤلاء تحمّلها، حتى إن الأمر مع وجود الزيارة ذاتها والسماح بها ليس في طاقة الأهالي إتمامها أو القيام بها، فيقللون من زياراتهم لضيق ذات اليد والعجز عن تمويل تلك الزيارات. 
هل أتاك حديث أطفال المعتقلين والمعتقلات الذين يشكلون مشاهد مأساوية، وتساؤلات بريئة

“يدوس النظام المصري على معنويات الناس، وعلى محاولته إظهار حال عجزهم في إتمام زيارتهم ذويهم بشكل دوري واعتيادي”

فطرية، يتساءل هؤلاء الأطفال عن ذويهم وأهليهم، ألن تأتوا معنا؟ ما يقوم به هذا النظام الفاجر من صنوف الظلم والتلفيق والاعتقال بالشبهة وبالجملة يشكل حالة مفجعة على أسر المعتقلين وأطفالهم، بالتساؤل حول لماذا لا يعيش هؤلاء حياة أسرية سوية، وتبقى تساؤلات الأطفال أكبر علامات ظلم هذا النظام، وظلمة سياساته، حينما يقوم بهذا كله، وهو يدوس على معنويات الناس، وعلى محاولته إظهار حال عجزهم في إتمام زيارتهم ذويهم بشكل دوري واعتيادي. 
هل أتاك حديث أم ظلت تبحث عن ولدها المختطف قسريا من زبانية النظام الذي أصبح ذلك الأسلوب سياسة ممنهجة، ترصدها تقارير حقوق الإنسان في منظمات دولية غير حكومية، لتقدم المعلومات التي تشير إلى الاختطاف القسري عملا منظما، يقوم به هذا النظام الفاشي الغاشم في حق عموم الناس والمواطنين. تلك الأم أتاها الخبر أن ابنها محتجز في أحد السجون، وتعرّفت على مكان اعتقاله، يؤكد من أبلغها أن ابنها في انتظار زيارتها، ويجري الحديث بينها وبين مبلغها متسائلةً عن تكلفة مواصلات الذهاب إلى سجنه المحتجز فيه، بعد أن فقدت كل مدخراتها في البحث عنه. 
تبدو تلك الأحوال المزرية والمؤسفة المأساوية والمبكية عملا ممنهجا، يحاول فيه النظام كسر هذه الفئة التي ضحت، والتي وقع عليها الإجرام، سواء تعلق الأمر بالمعتقلين أو بأهاليهم، ليكون ذلك سياسةً لذلك النظام، يكمل فيها عمليات التخويف والترويع والتفزيع والردع، ووضع هؤلاء في حالة الأمثولة، وفق هذه القاعدة الدنيئة “اضرب المربوط يخاف السايب”. هكذا يتعامل المستبد الفاشي، ليفتك بأصول العلاقات الاجتماعية والمجتمعية، ويجعل مجرد الزيارة مهمة مستحيلة من الناحية المادية، ومن ناحية التضييق على المعتقلين وذويهم ماديا ومعنويا وإداريا. 
من هنا، يستنهض هذا الأمر الهمم، ليجعل “أسيادنا المعتقلين” في قمة اهتماماتنا، فالأمر لم يعد يحتمل أن نشد أزره، ونساند أهله بكلمة “متخلّهمش يكسروك”، لكن الأمر يقتضي منا أن نفكر كيف لا نجعلهم يكسرونه، سواء من معتقلين أو أهاليهم؟ ونحقق كل ما من شأنه أن يؤكد على عزة هؤلاء وكرامتهم وقدرتهم على بناء الثبات والصمود في حركة كبرى، تؤكد مسؤولية المجتمع بأسره عن شبكة علاقاته المتماسكة التي يفتك بها المستبد الفاشي، ويقطع أوصالها، ويمزّق كل ما يتعلق بفاعلياتها. يتطلب هذا الأمر عملا ممنهجا ومؤسسيا لمواجهة تلك الحالة الظلمية والظلامية التي يحاول المستبد التمكين لها، ليحكم كل عناصر الترويع والتفزيع، ويمد حالة التجويع، حتى إلى ذوي المعتقلين وأطفالهم الذين يحاولون زيارة ذويهم في معتقلاتهم. 
هل يمكن أن نفكر في ألف طريقةٍ نهزم بها الظلم والظالمين، ونبدّد فيها الظلمة والظلمات، فماذا نحن فاعلون لهم؟ لم يعد يكفي أن نتغنى بثباتهم وصمودهم، بعد أن نال منهم العوز والضعف كل مبلغ، فهل من الممكن أن ننشئ مؤسسات دعمٍ لتقوية أواصرهم، أو أن نطوّر من بعض الأفكار التي تم تنفيذها في الواقع، ونقلها من جانبها المعنوي إلى جانب مادي ملموس ومحسوس، مثل فكرة توأمة المعتقلين مع من هم خارج السجون. إن هذه الفكرة المعنوية من الممكن أن تتطور إلى أفكار مؤسّسية، تساهم في تخفيف أوضاع المعتقلين وأحوالهم ودعم ثباتهم؟

سيف الدين عبد الفتاح

لقراءة المادة على الموقع الاصلي انقر هنا